الصفحة 6 من 304

يعف عنه. والذي دلت عليه السنة وعليه الصحابة وجمهور السلف أن الماء لا ينجس إلا بالتغير وإن كان يسيرًا وهو قول أهل المدينة واختيار الشيخ تقي الدين ونص عليه الإمام أحمد واختاره ابن المنذر وهو المفتى به لحديث بئر بضاعة"إن الماء طهور لا ينجسه شيء"ويعضده حديث"إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"وأما المفهوم من حديث ابن عمر فليس يقضي أن ما دونهما يحمل الخبث بل إن مظنة حمله للخبث كبيرة وغالبه لكن لا ينجس إلا بالتغير ويقال: سلمنا أنه يحمل الخبث لكن ليس إذا حمل الخبث يخرج عن أصل الطهورية بل إذا حمل الخبث حملًا يقتضي تغير أحد أوصافه فهو الذي يخرجه عن الطهورية أما إذا حمله حملًا لا تتغير معه أحد أوصافه فلا، ويقال: إن حديث أبي سعيد منطوق واستدلالهم بالمفهوم والمنطوق أقوى من المفهوم والله اعلم.

مسألة: (أو لاقاها) أي لاقى النجاسة (وهو يسير) دون القلتين يعني أنه ينجس وإن لم يتغير وقدمنا أن الراجح هو الاعتبار بالتغير فإن تغيرت أحد أوصافه فنجس وإن لا فلا. والله أعلم.

مسألة: (والجاري كالراكد) أي أن الماء الجاري يعطى حكم الراكد في مسألة ملاقاة النجاسة إذا كان يسيرًا، فإذا كان الجاري دون القلتين ولاقى النجاسة فإنه ينجس بمجرد ملاقاتها، ونقل عن أحمد رحمه الله تعالى ما يدل على الفرق بينهما فإنه قال في حوض الحمام: قد قيل إنه بمنزلة الماء الجاري، وقال - رحمه الله - في البئر يكون لها مادة هو واقف، فعلى هذا لا يتنجس الجاري إلا بتغيره لأن الأصل طهارته ولا نعلم في تنجيسه نصًا ولا إجماعًا فبقي على أصل الطهارة، وهذه الرواية أرجح بدلالة السنة والحس، فأما السنة ففي حديث أبي هريرة (قال: قال رسول الله ("لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه"فخصص النهي بالدائم فدل على أن الجاري لا يحرم فيه ذلك. وأما الحس فإن الماء الجاري متجدد ومتحرك وفيه قوة لدفع الخبث عنه فلذلك لا يتغير بطول جريه، وأما الراكد فإنه لا يقدر على ذلك فلذلك تغير بطول مكثه وقال القاضي وأصحابه بل المعتبر هو كل جرية بنفسها، والجرية هي الماء الذي فيه النجاسة وما قرب منها، لكن الرواية الثانية هي الراجحة والله اعلم.

مسألة: (والكثير قلتان) وهذا تحديد الأصحاب وفاقًا للشافعي وهما خمس قربٍ كل قربة مائة رطلٍ بالعراقي فتكون القلتان خمسمائة رطلٍ عراقي تقريبًا قال ابن جريج: رأيت تلال هجر والقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا، والاحتياط أن يجعل الشيء نصفًا، والقلتان عند الشيخ ثلاثة وتسعون صاعًا وثلاثة أرباع الصاع وتعادل الآن إحدى وتسعين ومائة كيلًا، وأما الكثير عند الحنفية فهو الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر. وقد علمت أن الراجح أن الماء سواءً كثيرًا أو قليلًا أنه لا ينجس إلا بالتغير والله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت