فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدُّ وأسد عقلًا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك ممتعين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه، قال _ تعالى _: [وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى] (محمد:17) ، وقال: [وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) ] (النساء) (1) .
8_ وقال في اقتضاء الصراط المستقيم: =فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد"وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلَّت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عمومًا، ولأهل العلم منهم خصوصًا من العلم النافع، والعمل الصالح، والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علمًا وعملًا الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتا تفاوتًا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى، ودلائل هذا وشواهده ليس هذا موضعها+ (2) ."
9_ وقال ابن القيم: =فلو قيس ما عند جميع الأمم من معرفة وعلم وبصيرة إلى ما عندهم لم يظهر له نسبة إليه بوجه ما، وإن كان غيرهم من الأمم أعلم بالحساب والهندسة، والكمِّ المتصل والكمِّ المنفصل، والنبض، والقارورة، والبول، والقسطة، ووزن آلاتها، ونقوش الحيطان، ووضع الآلات العجيبة، وصناعة الكيمياء، وعلم الفلاحة، وعلم الهيئة وتسيير الكواكب، وعلم الموسيقى والألحان، وغير ذلك من العلوم التي هي ما بين علم لا ينفع، وبين ظنون كاذبة، وبين علم نَفْعُه في العاجلة، وليس من زاد المعاد+ (3) .
(1) _ نقض المنطق ص 7،8.
(2) _ الاقتضاء 1/64.
(3) _ هداية الحيارى ص234، وانظر ما بعدها إلى ص249 ففيها كلام عظيم حول هذا المعنى.