ملك منهم بعد آخر أن يلقي على ذلك التابوت قفلًا وعلى باب البيت قفلًا آخر، فاستمر الأمر على ذلك حتى انتهى أمرهم إلى لِزْرِيْق الملك وهو السابع والعشرون من ملوكهم، فقال لوزارئه: قد وقع في نفسي من هذا البيت أريد فتحه لأنظر ما فيه فإنه لم يُعمل عبثًا، ولما كان الملك مهيبًا لم يلتفت إلى كلامهم فأمر بالفتح، فلما فتحوا وجدوا مائدة عظيمة من ذهب وفضة مكللة بالجواهر مكتوب عليها: هذه مائدة سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم ورأوا في البيت تابوتًا وعليه قفل ففتحوه فوجدوا فيه رقًّا، وفي جوانب التابوت صور فرسان على أشكال العرب وزيّهم وسلاحهم، فأمر بنشر الرّق فإذا فيه:"متى فُتح هذا البيت وهذا التابوت المقفل بالحكمة دخل القوم الذين صورهم في التابوت إلى جزيرة أندلس وذهب ملك اليونان من أيديهم، ودرستْ حكمتهم". ولما سمع الملك ما في الرق ندم ولم يلبثوا إلا قليلًا حتى أشرف عليهم طارق بن زياد البربري، وقيل الصدفي مولى أبي عبد الرحمن موسى بن نصير اللخمي هو الذي ولاّه الوليد بن عبد الملك بلاد أفريقية سنة تسع وثمانين للهجرة، ثم إن ابن نصير بعث مولاه طارق بن زياد إلى فتح بربر وأندلس وأعقبه بنفسه ولما وصل بأندلس وافاه أن قد فتحها فرجع منها ابن نصير في غنيمة عظيمة وأموال كثيرة واستصحب معه مائدة سليمان وثلاثين ألف رأس من الرقيق وتوجه بذلك إلى الوليد بن عبد الملك بالشام فوجده قد مات، وقام أخوه سليمان بن عبد الملك من بعده وحج سليمان ومعه ابن نصير سنة سبع وتسعين، ومات ابن نصير بوادي القرى في خلافة عمر بن عبد العزيز فيما أظن والله أعلم، قال أبو حامد القزويني: وفي أرض الأندلس غار يشتعل فيه النار وكل من أراد أن يُشعِل فتيلته يجعلها على رأس خشبة ويقرب إليه فتشتعل. وقيل: إن بابًا من أبواب جهنم مفتوح هناك، قال: وفي جبله عينان إحداهما حارة بحيث تُحرق، والثانية باردة بحيث لا يشرب منها شربة واحدة.