ولده أبو المعالي إمام الحرمين عبد الملك الملقب ضياء الدين المجمع على إمامته والمتفق على غزارة مادته، وتفقّه في العلوم كلها على والده، وأتى على جميع مصنفات أبيه وتصرّف فيها حتى زاد عليه في التحقيق والتدقيق، فلما توفي والده جُعِل مكانه في التَّدريس وتولَّى الخَطابة، وكان مع ذلك يترَّدد إلى الاستاذ أبي القاسم الإسكافي الاسفرايني بمدرسة البيهقي، ويجلس للوعظ والمناظرة وظهرت تصانيفه وحضر درسه الأكابر من الأئمة وانتهت إليه رياسة الأصحاب وفُوِّضت إليه الأمور غير مُزاحم ولا مُدافع فسلّم له المحراب والمنبر والخطابة والتَّدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة وغير ذلك من الطوائف الدينية، ولما وقعت الفتنة بنَيْسابور وجّهه أهلى السنَّة بواسطة الوزير عميد الملك أن يهاجر في جمع من العلماء إلى مكة المشرفة فأقام بالحرمين الشريفين أربع سنين يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب حتى لُقِّب بإمام الحرمين، ولمَّا أخمد الله نار البدعة وأظهر نور السنة فقُتِل عميد الملك ووزيره نظام الملك رجع إلى نيسابور، وبقي على التدريس، ونشر العلم والخطابة والوعظ قريبًا من ثلاثين سنة إلى أن توفي بعد العتمة خامس وعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، بموضع قرب نيسابور يسمى سمّان خرج إليه في مرض لطيب هوائه ودفن فيه ثم نُقِل بعد سنين إلى نيسابور ودُفن إلى جنب والده.
الجهضميّ: بالفتح وإسكان الهاء وفتح الضاد المعجمة ثم ميم وهاء، هي محلة بالبصرة منها نصر بن علي الجهضمي قاضي البصرة كان من العلماء المتفنين روى عنه مسلم في صحيحه فأكثر، روى أن المستعين بالله بعث إليه ليشخصه للقضاء فدعاه أمير البصرة لذلك، فقال: أرجع لأستخير الله تعالى، فرجع إلى بيته نصف النهار فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خيرٌ فاقبضني إليك ثم نام فنبّهوه فإذا هو ميتٌ، وذلك في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين.