لرسالتها ، فكان تفريطها في جنب الدعوة ـ التى زكت بها ـ سببا في ذهاب ريحها وانهيار مجدها . لقد انحلت الخلافة التركية الأخيرة في نيف وثلاثين دولة مبعثرة في قارات الأرض ينتسب أغلبها إلى الإسلام انتسابا اسميا ، وتضطرب دعوته في أنحائها اضطرابا بعيد المدى ، يحتاج شرحه إلى قليل من الإسهاب . يا عجبا ، كيف تبددت هذه القوة العظيمة ، وأقفرت تلك المعالم النضرة ؟ مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحى مقفر العرصات الواقع أن ذلك الانكسار لم يقع بغتة ، ولم تلتق أسبابه فجأة . إن الأمة الإسلامية ـ كما قلنا ـ صاحبة رسالة ، وحاملة دعوة ، ووريثة وحى يجب أن تبلغه ، أن تظهره بالعمل . بيد أنها نسيت ذلك أو تناسته ، وضعف أخذها به ، ووفاؤها له على اختلاف الليل والنهار . واطرد هذا التفريط أولا في شكل متواليات حسابية ، وأخيرا في شكل متضاعفات هندسية . وقد تقفة بين الحين والحين نهضات المصلحين ، وصيحات المذكرين . إلا أن الأمر عز على العلاج في العصور الأخيرة ، فلم تستفق هذه الأمة إلا والأجانب قد أحاطوا بها ، وأنشبوا أظافيرهم في أعناقها ، وشرعوا في الإجهاز عليها . ولولا عناية من السماء مسعفة لكانت تحت أطباق التراب . وظهرت بوادر الانفصال بين الأمة ورسالتها في أكثر من ميدان . ففى حقل التعليم ذبلت الدراسات الإسلامية ، ونبتت خلالها أشواك كثيرة . وفشت الظنون والخرافات والإسرائيليات والنصرانيات والإغريقيات ، حتى لكأن حصاد هذه الدراسات طين لا قمح ، وحسك لا تمر .! والعلم الإسلامى اليوم متوار في معاهد خاصة ، بعد ما عزل عن الحياة العامة ، وساء تقويمه ، وقل التعويل عليه . وفى حقل التشريع ساد القحط كل ناحية وعجز الفقه سنين عددا أن يحكم المعاملات المتجددة ، وأن يضبطها باسم الله في مجراها العتيد . ووقف الاجتهاد عند صور انقضى زمانها وأهلوها . ص _032