والغيرة صفة من صفات الله تعالى؛ إذ يغار الله على محارمه؛ لأنه تعالى جَعَلَ الطاعة له وحده فلا يشاركه فيها أحد، فمن عصى الله وأطاع غيره غار الرب عليه؛ لأنه لا يرضى لعباده الكفر ولا يرضى لهم المعصية. يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم الله عليه» ، ويقول: لا شيء أغير من الله تعالى، والله يغار على التوحيد حتى لا يشاركه فيه أحد، فقال: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48] ، وأهلك فرعون الذي ادَّعى الربوبية والألوهية، ويغار على الصلاة؛ إذ يقول عن أهل النار: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } [المدثر: 42، 43] ، ويغار على القلوب؛ فقد غار على قلب إبراهيم الذي طلب الولد فأحبه حبًا عظيمًا حتى ابتلاه فيه ليخرج حبه من قلبه ويشتغل بحب الله فرأى في المنام كأنما يذبح هذا الولد ثم نجَّاه الله من الذبح، ويغار على الأعراض فحرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعاقب عليها بأعظم العقوبات. يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش» . ولما كسفت الشمس صلَّى بالناس صلاة الكسوف ثم قام فخطبهم وقال في خطبته: «يا أمة محمد، ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أَمَته. يا أمة محمد، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم كثيرًا» . وذكر هذا الذنب بخصوصه لأنه يورث ظلامًا في القلب فيظلم البدن بظلامه، وكذلك تظلم الأرض بظلام الشمس، وغار على عرض إبراهيم عندما قدم مصر في هجرته فاستدعى الفرعوني زوجة إبراهيم سارة وأرادها في عرضها، فلما مد يده إليها كف الله يده حتى يبست ونجى سارة من كيده وشره.