""""""صفحة رقم 30""""""
إن من الشعر ما يلزم المقولَ فيه كلزوم الحُكْم للمحْكوم عليه ؛ إصَابةً للمعنى ، وقصدًا للصواب ، وفي هذا يقول أبو تمام: الطويل:
ولَوْلا سبيل سَنَّها الشعرُ ما دَرَى . . . بُغاةُ العُلى من أينَ تُؤْتى المكارمُ يُرَى حكمةً ما فيه وهو فكاهة . . . ويُرْضَى بما يَقْضِي به وهو ظالم
انتهى كلام أبي القاسم .
وقد وجدنا في الشعر أبياتًا يُجْرَى على رسمها ، ويُمْضَى على حكمها ؛ فقد كان بنو أَنْف الناقة إذا ذَكَر أحدٌ عند أحد منهم أنف الناقة - فضلًا عن أن ينسبهم إليه - اشتدَّ غضبُهم عليه ؛ فما هو إلاَّ أن قال الحطيئة يمدحهم: البسيط:
سِيري أُمَامَ فإنَّ الأكثرينَ حَصًى . . . والأَطْيبين إذا ما يُنْسَبُون أبا
قومُ إذا عَقدوا عَقْدًا لجارهِمُ . . . شَدوا العِنَاج وشدّوا فَوْقَه الكَرَبا
قوم همُ الأنفُ والأذْنابُ غيرهُمُ . . . ومن يُسَوي بِأَنْف الناقةِ الذنبَا
فصار أحدُهم إذا سئل عن انتسابه لم يَبْدأ إلاَّ به .
وأنفُ الناقة: هو جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم .
وكان بنو العَجْلاَن يَفْخَرون بهذا الاسم ، ويتشرّفُون بهذا الوَسْم ، إذ كان عبدُ اللّه بن كعب جدُّهم إنما سمّي العجلان لتعجيله القِرَى للضيِّفَان ؛ وذلك أن حيًا من طيء نزلوا به ، فبعث إليهم بقرَاهم عَبْدًا له ، وقال له: اعْجَل عليهم ، ففعل العبدُ ، فأعتقه لعجلته ، فقال القوم: ما ينْبغي أن يسمَى إلاّ العجلان ؛ فسمِّي بذلك ، فكان شرفًا لهم ، حتى قال النجاشي ، واسمه قيس بن عمرو بن حرن بن الحارث بن كعب يهجوهم: الطويل:
أولئكَ أخوالُ اللَعِينِ وأسرةُ ال . . . هَجِين ورهْطُ الواهِن المتذلّلِ
وما سُمي العجْلان إلاَ لقولهِ . . . خُذِ القَعبَ واحلب أيها العبد واعْجلِ