""""""صفحة رقم 30""""""
1 -أما الآفة التي في حق الراد فعظيمة: إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك الكلام إذا كان مدونًا في كتبهم ، وممزوجًا بباطلهم ، ينبغي أن يهجر ولا يذكر بل ينكر على كل من يذكره إذ لم يسمعوه أولًا منهم ، فسبق إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل ، لأن قائله مبطل ، كالذي يسمع من النصراني قوله:"لا إله إلا الله ، عيسى رسول الله"فينكره ويقول:"هذا كلام النصارى"، ولا يتوقف ربما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول ، أو باعتبار إنكاره نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . فإن لم يكن كافرًا إلا باعتبار إنكاره ، ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو حق في نفسه ، وإن كان أيضًا حقًا عنده . وهذه عادة ضعفاء العقول ، يعرفون الحق بالرجال ، لا الرجال بالحق . والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين"علي بن أبي طالب"رضي الله عنه ، حيث قال: لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله ، والعارف العاقل يعرف الحق ، ثم ينظر في نفس القول: فإن كان حقًا قبله سواء كان قائله مبطلًا أو محقًا ، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل الضلال ، عالمًا بأن معدن الذهب الرغام . ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج . مهما كان واثقًا ببصيرته ، ويمنع - من ساحل البحر - الأخرقُ ، دون السباح الحاذق ، ويصد عن مس الحية الصبي دون المعزم البارع . ولعمري لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة