وأقول: إنَّ الناظر بتأمل واستقراء لحال سلف أئمتنا الأعلام، وأخبارهم في طلب العلوم الشرعية، والتعب والسهر في ذلك، والرحلة في طلب العلم، وما عانوه من مشقة وفقرٍ وترك الملذات، ليرى العجب العجاب. وكلّ ذلك من أجل تحصيل علومٍ تكون سببًا في رضى الله عنهم، ودخولهم منازل الكرامة والرضوان، بجوار ربنا الموفق لكلِّ خيرٍ وهداية (1) .
فيا أيها الطالب: إن طمحت نفسك إلى مراقي هؤلاء الأئمة، فوجب عليك أن تسير على المحجة التي سلكوها، وتخوض الغمرات التي خاضوها، وهي في ابتدائها لا تنفك عن ضروب من المشقة والمعاناة والتأذي، ولكن متى أكرهت النفس عليها، وسيقت طائعة ومكرهة إليها، وصبرت على لأوائها وشدتها، واستلانت ما استوعره غير أبناء بجدتها، أفضت إلى رياضٍ مُونِقَة، ومقاعد صدق رفيعة متألقة، ومقام كريم، ونعيم موقيم، تجد كلّ لذة كانت بلغتها قبل لذة هذا المقام: مثل لذةّ لعب الصبي بالعصفور، بالنسبة إلى لذَات الملوك وأرباب القصور، كما قيل:
وكنت أرى أن قد تنهاه بي الهوى ... إلى غايةٍ ما بعدها لي مذهبُ
فلما تلاقينا وعاينتُ حسنها ... تيقنت أني كنت ألعبُ (2) .
ــــــــــــــــ
(1) ينظر لمعرفة شيء من أخبارهم في ذلك: كتب التواريخ، والتراجم، والسير (كالإصابة) لابن حجر، و (البداية والنهاية) لابن كثير، و (سير أعلام النبلاء) للذهبي. وغير ذلك من كتب أئمتنا الكرام.
(2) انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم (1/ 108 - 109) .وصفحات من صبر العلماء (ص122) .