وتحققت شفقته، وظهرت مروءته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليمًا، وأجود تفهيمًا، ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقصٍ في ورعٍ أودينٍ أو علم، أو عدم خُلُقٍ جميل.
فعن بعض السلف: أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. وليحذر من التقيد بالمشهورين، وترك الأخذ عن الخاملين، فقد عدّ الغزالي (1) ذلك من الكبر على العلم، وجعله عين الحماقة، لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها، ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه، فإنه يهرب من مخافة الجهل، كما يهرب من الأسد، والهارب من الأسد لا يأنف من دلالة من يدله على الخلاص كائنًا من كان.
فإذا كان الخامل ممن ترجى بركته كان النفع به أعم، والتحصيل من جهته أتم، وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع يحصل غالبًا، والفلاح يدرك طالبًا، إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر، وعلى شفقته ونصحه للطلبة دليلٌ ظاهر.
وليجتهد أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الإطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ من بطون الأوراق، ولم يُعرف بصحبة المشايخ الحذاق ... (((2) .
قال محمد بن سلمة: )) أول ما يذكر من المرء أستاذه، فإن كان جليلًا جل قدره (( .
ولهذا ينبغي أن يسافر في طلب الأستاذ إلى أقصى البلاد الشاسعة، ولو مسح الأرض كلها بقدمه، وضرب آباط الإبل في طلبه لكان أحق وأولى من طلب موسى الخضر -عليهما السلام - بمجمع البحرين (((3) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) انظر: الإحياء مع شرحه (1/ 507) .
(2) تذكرة السامع والمتكلم (ص85 - 87) .
(3) انظر: الرحلة في طلب الحديث، للخطيب (ص97 - 105) .ومفتاح السعادة، لطاش كبرى زادة (1/ 24) .وكشف الظنون، لحاجي خليفة (/46) .وأبجد العلوم (1/ 242) لصديق حسن القنوجي.
التلقي عن المبتدع