الأولى: تكلم الناس في الحكمة في الاسراء به أولا الى بيت المقدس قبل المعراج فقيل: ليحصل العروج مستويا من غير تعريج لما روى عن كعب الحبار ان باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، قال: وهو أقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلا.
وثيل: ليجمع تلك الليلة بين القبلتين.
وثيل: لأن بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله فحصل له الرحيل اليه في الجملة ليجمع بين أشتات الفضائل.
وقيل: لأنه محل الحشر وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية فكان المعراج منه أليق.
وقيل: للتفاؤل بحصول أنواع التقديس له حسا ومعنى.
وقيل: لإرادة إظهار الحق على من عاند، لأنه لو عرج به من مكة الى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلا الى البيان والايضاح، فلما ذكر عليه الصلاة والسلام أنه أسري به الى بيت المقدس، سالوه عن جزئيات بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخذهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الاسراء الى بيت المقدس في ليلة، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره.
الثانية: استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الاسراء: وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، كما قال أحمد: حدثني حيوة ويزيد بن عبد ربه، قالا: حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السملى، أنه حدثهم، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال:
"كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادا فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند امنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طيران أبيضان، كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهذا هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني الى القفا، فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين. فقال أحدهما لصاحبه (قال يزيد في حديثه) : ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة .. الحديث"وقال ابن دحية في معراجه وابن المنير وغيرهما: الصحيح أن شق الصدر مرتان.
قال شيخ الاسلام ابن حجر: بل ثلاث مرات، فقد ثبت أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل حكمة.
فالأول كان في زمن الطفولية، لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ثم عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحى اليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير:
ثم عند الاسراء ليتأهب للمناجاة.
قال ـ أعني شيخ الاسلام:
ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة لحصول المرة الثالثة كما هي في شرعه صلى الله عليه وسلم في الطهارة.