فالقلوب هي محل النظر والعمل، وأما الصور والأموال فلا قيمة لها إن لم يستعن بها على طاعة الله، ولكن محل النظر القلوب إذا استقامت على محبة الله والإخلاص له وخوفه ورجاءه وصلحت الأعمال، وصارت خالصة لله موافقة للسنة هذا هو الذي ينفع صاحبه، صلاح القلب وصلاح الأعمال.
ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - (التقوى ههنا) وأشار إلى صدره.
قال ابن رجب: وإذا كان أصلُ التَّقوى في القُلوب، فلا يطَّلعُ أحدٌ على حقيقتها إلا الله - عز وجل، كما قال - صلى الله عليه وسلم - (إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكُم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم) وحينئذ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خرابًا من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءًا مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعًا، كما في الصحيحين عن حارثةَ بن وهبٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (ألا أُخبِرُكم بأهل الجنَّةِ: كلُّ ضعيف متضعَّفٍ، لو أقسم على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهل النَّارِ: كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستكبِرٍ) .
وفي المسند عن أنس عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (أمَّا أهلُ الجنَّة، فكلُّ ضعيفٍ متضعَّفٍ، أشعث، ذي طِمرين، لو أقسمَ على الله لأبرَّه؛ وأمَّا أهلُ النَّارِ، فكلُّ جَعْظَريٍّ جَوَّاظ جمَّاعٍ، منَّاعٍ، ذي تَبَع) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (تحاجَّت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجبِّرين، وقالتِ الجنَّةُ: لا يدخُلُني إلا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم، فقال الله للجنَّةِ: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي) .
وخرَّجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيدٍ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال(افتخرت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النار: يا ربِّ، يدخُلُني الجبابرة والمتكبِّرون والملوكُ.
والأشرافُ، وقالت الجنَّةُ: يا ربِّ يدخُلُني الضُّعفاء والفقراءُ والمساكين)وذكر الحديث.
وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد، قال: مرَّ رجلٌ على سولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لرجل عنده جالس (ما رأيك في هذا؟) فقالَ رجلٌ منْ أشراف الناس: هذا والله حريٌّ إنْ خطَب أنْ يُنكح، وإنْ شفع أنْ يشفَّعَ، وإن قالَ أن يُسمَعَ لقوله، قالَ: فسكت النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ مرَّ رجلٌ آخر، فقالَ لهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأيك في هذا؟، قال: يا رسول الله، هذا رجلٌ مِن فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إنْ خطب أنْ لا يُنكحَ، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإنْ قال أنْ لا يُسمع لقوله، فقال رسول - صلى الله عليه وسلم: (هذا خيرٌ من ملءِ الأرض مثل هذا) .
وقال محمد بنُ كعب القُرَظيُّ في قوله تعالى (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ) ، قال: تَخفِضُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مرتفعين، وترْفَعُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مخفوضين.
قال ابن تيمية: فالجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر.
وقال رحمه الله: فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص , وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.
وقال أيضًا: والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة , بل لحقائقها التي في القلوب , والناس يتفاضلون في ذلك تفاضلًا عظيمًا.
ولهذا لم يُثن الله على أحد في القرآن بنسبه أصلًا: لا على ولد نبيّ, ولا على أبي نبيّ, وإنما أثنى على الناس بإيمانهم وأعمالهم. وإذا ذكر صنفًا وأثنى عليهم , فلما فيهم من الإيمان والعمل , لا لمجرد النسب، ولما ذكر الأنبياء - ذكرهم في الأنعام - وهم ثمانية عشر , قال (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فبهذا حصلت الفضيلة باجتبائه سبحانه وتعالى وهدايته إياهم إلى صراط مستقيم , لا بنفس القرابة.
وقال ابن القيم: تتفاضل الأعمال عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها.
وقال ابن رجب: لم يكن أكثر تطوع النبي - صلى الله عليه وسلم - وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة، بل ببر القلوب