فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 210

وظاهر هذه الأحاديث كلّها يدلُّ على أنَّ هذه الأشياء تكونُ صدقة يُثاب عليها الزارعُ والغارسُ ونحوهما من غير قصدٍ ولا نيةٍ، وكذلك قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ) يدلُّ بظاهره على أنَّه يُؤْجَرُ في إتيان أهله من غير نيَّةٍ، فإنَّ المُباضِع لأهله كالزَّارع في الأرض الذي يحرث الأرض ويبذر فيها.

وقد ذهب إلى هذا طائفةٌ من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشُّرب والجماع.

واستدل بقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (إنَّ المؤمنَ ليؤجَرُ في كلِّ شيءٍ حتَّى في اللُّقمة يرفعها إلى فيه) .

وهذا اللَّفظ الذي استدلَّ به غيرُ معروف، إنَّما المعروف قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لسعد (إنَّكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلا أُجِرتَ عليها، حتَّى اللُّقمة ترفعها إلى في امرأتك) وهو مقيَّدٌ بإخلاص النية لله، فتحمل الأحاديثُ المطلقة عليه، والله أعلم.

3 -الحديث دليل على مشروعية عيادة المريض، وقد جاءت نصوص كثيرة في فضل ذلك:

أ- عن البَرَاءِ بن عازِبٍ رضي الله عنهما، قَالَ (أمَرَنَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعِيَادَةِ الْمَريضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ وَإبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإجَابَةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلاَمِ) متفقٌ عَلَيْهِ.

ب- وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قَال (حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِس) متفقٌ عَلَيْهِ.

ج-وعنه، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - (إنَّ اللهَ - عز وجل - يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) . رواه مسلم

د-وعن أَبي موسى - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - (عُودُوا المَريضَ، وَأطْعِمُوا الجَائِعَ، وَفُكُّوا العَانِي) . رواه البخاري

هـ- وعن ثوبان - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قَال (إنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَادَ أخَاهُ المُسْلِمَ، لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ ) ) قِيلَ: يَا رَسولَ الله، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: (جَنَاهَا) واه مسلم.

و_ وعن عليّ - رضي الله عنه -، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ (مَا مِنْ مُسْلِم يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوة إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّة) واه الترمذي، وقال:

(( حديث حسن ) ).

ز_ وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من عاد مريضًا أو زار أخًا له، قيل له: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا) رواه الترمذي.

وقد اختلف العلماء في حكم عيادة المريض:

القول الأول: أنها سنة مؤكدة.

وهذا قول جمهور العلماء.

للأحاديث الكثيرة التي سبقت في فضلها.

القول الثاني: أنها فرض كفاية.

وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله، وهذا القول هو الراجح، للأمر بها:

كما في حديث البراء بن عازبٍ السابق قال (أمرنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِسَبعٍ: ... بِعَيادَةِ المريض) .

وكما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (حَقُّ الْمُسلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ خَمْسٌ: .. وَعِيادَةُ المَريض) .

وكما في حديث أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (عُودُوا المَرِيضَ ... ) .

-وفي عيادة المريض فوائد: منها: يؤدي حق أخيه المسلم - أنه لا يزال في خرفة الجنة - أن في ذلك تذكيرًا للعائد بنعمة الله عليه في الصحة - أن فيها جلبًا للمحبة والمودة. (قاله الشيخ ابن عثيمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت