الصفحة 52 من 73

وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من ماء، وأنا أفول إن كان به رمق أسقيته، ومسحت به وجهه. فإذا أنا به فقلت: أَسقيك ماء فأشار أي نعم. فلما هم أن يشرب إذا برجل يقول: آه آه، فأشار ابن عمي أن أنطلق به إليه"قال فجئته"، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك. فسمعني آخر فقال: آه آه، فأشار هشام أن أنطلق به إليه فجئته. فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.

ودخل رجل على سالم بن قتيبة الباهلي يكلمه في حاجة فوضع نصل سيفه على إصبع سالم واتكأ عليه. وجعل يكلمه في حاجته وقد أدماه، وسالم صابر فلما فرغ الرجل من حاجته وخرج دعا سالم بمنديل فمسح الدم عن إصبعه وغسله، فقيل له: هلا نحّيت رجلك أصلحك الله أو أمرته برفع سيفه عنه؟ فقال: خشيت أن أقطعه عن حاجته.

وذكر خزيم بن أبي يحيى المزني أن الرشيد دعاه يومًا ليأكل معه فلما توسط الأكل رفع رأسه إلى رجل يكلمه بالفارسية. قال فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تسر إليه فإني أفهم الفارسية، فأمرني أن أتنحى ليتقدم إليه بما يريد، فأعجب الرشيد كرم أخلاقه وصدقه وخاطب ذلك الرجل سرًا بما أراد وأمر لخزيم بصلة سنية.

ذكر أن عبيد الله بن العباس أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له. تصدق علي بشيء فإني نُبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلًا ألف درهم واعتذر إليه فقال: وأين أنا من عبيد الله فقال: أين أنت منه في الحسب أم في الكرم؟ قال: فيهما جميعًا، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت"وإذا فعلت"كنت حسيبًا. فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته. فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن العباس فأنت خير منه، وإن كنت إياه فأَنت اليوم خير منك أمس فأعطاه ألفًا أخرى فقال له السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض السر من جوانحي.

"من ملح ما ذكر في حفظ السر وكتمانه ما"حدث"به"أبو سفيان الحميري وصالح بن سليمان قللا: أراد الوليد بن يزيد الحج فاتّعد قوم من وجوه الشام أن يثبوا به فأتوا خالد بن عبد الله القسري ليكون معهم فأبى عليهم قالوا: فتكتم علينا، قال: أما هذا فنعم. فمشى خالد القسري إلى خالد بن الوليد ين يزيد فقال له: قل لأمير المؤمنين يدع الحج في عامه هذا، فقال: ولم؟ قال: أخاف عليه، فأعلم خالد أباه فأحضره. وقال: أحقًا ما يقول خالد عنك يا خالد؟ قال نعم قال: أعده علي فأعاد قوله. فقال: ومن هؤلاء الذين تخافهم عليّ فسمِّهم؟ قال: لا أفعل قال: لتقولن قال: لا أقول قال: إذًا أبعث بك إلى يوسف بن عمر قال: وإن فعلت. فبعث به إلى يوسف فعذَّبه إلى أن مات، ولم يسم القوم ولا أحدًا منهم.

قيل لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى والي البصرة أن يحضر إياس بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الجوشني ولينظر أنفذهما في الحكم فليقلده إياه فلما وقف على الكتاب استدعاهما وقرأه عليهما فقال له إياس اسأل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، وكان القاسم صديقًا لهما، ففطن لما قصد إياس. فقال: أيها الأمير لا تسأل عني وعنه أحدًا، واسمع مني ومنه، قال: قل، قال: والله الذي لا إله إلا هو، وحلف يمينًا مستوفاة جامعة لمعاني الحلف، إن إياس بن معاوية لأصلح للحكم مني وأنفذ فيه، فإن كنت عندك صادقًا فقلده"بيميني"وإن كنت عندك كاذبًا فما يحل لك أن تقلد الحكم بين المسلمين من يبارز الله بمثل هذه اليمين كاذبًا. فقال إياس: لا تسمع منه أيها الأمير فإنك جئت به إلى شفير جهنم، فافتدى نفسه أن يقع فيها بيمين حلفها كاذبًا يكفر عنها ويستغفر الله منها وينجو"مما كان"فقال له الأمير: أوليس قد فطنت أنت لها يا إياس؟ وقلده الحكم بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت