""""""صفحة رقم 46""""""
السلطان ، ويطلق أبو الطيب كاتبه ليتصرف له في أموره ، وتطلق له الدواة ليكاتب من يريد أن يكاتبه ، ويؤذن لمن يبتاع شيئًا من أملاكه في الوصول إليه . وصار هارون بن غريب بالخط إلى المقتدر بالله فعرضه عليه . واتفق أن وجد ابنه المحسن ليلة الجمعة الحادية عشرة من ربيع الأول ، فقبض عليه ، وحمل إلى دار الوزارة بالمخرم . وكان من شرح الحال في أخذه أنه لجأ في استتاره بعد القبض على أبيه إلى حماته خزابة والدة الفضل بن جعفر بن الفرات ، فكانت تحمله كل يوم بكرة إلى المقابر في زي النساء ، وتعيده إلى المواضع التي تثق بها ، فمضت به بكرة يوم الخميس على هذه السبيل إلى مقابر قريش ، فأمست مساء بعد عليها معه الوصول إلى دواخل الكرخ ، فوصفت لها امرأة كانت معها منزل امرأة تعرفها وتأمنها ، ولا زوج لها لأنه توفي قبل ذلك بسنة ، فحملته خزابة ومعه جماعة نساء إلى هذه المرأة التي ذكرت لها وهي غير عارفة بها ، ودخلت الدار وقالت: معي امرأة عاتق لم تتزوج وقد انصرفت من مأتم وضاق عليها الوقت ، وسألتها أن تفرد لها موضعًا . فأفردت لها بيتًا في صفة ، وأدخلت المحسن إليه وردت الباب عليه ، وجلست النسوة معه في البيت ، ووافت جارية سوداء للقوم بسراج فتركته في الصفة ، وجاءت خزابة إلى المحسن بسويق ليشربه وقد نزع ثيابه . واطلعت الجارية السوداء فرأته من غير أن تشعر بها خزابة ، وعلمت أنه رجل ، فحدثت مولاتها بذلك ، فلما تصرم الليل قامت مولاتها إلى الموضع سرًا حتى شاهدته . وكان من سوء الاتفاق أن كانت المرأة زوجة محمد بن نصر وكيل أبي الحسن علي بن عيسى على نفقاته ، وكان المحسن طلبه فحضر ودخل ديوانه ، ورأى ما يعامل الناس به من المكاره ، فمات فزعًا من غير أن يكلمه المحسن أو يوقع به مكروهًا . فمضت المرأة في الوقت إلى دار السلطان حتى وصلت إلى نصر الحاجب ، وشرحت له الصورة . وأنهاها نصر إلى المقتدر بالله . فتقدم بالبعثة إلى نازوك بالركوب إلى الموضع والقبض عليه . فركب من وقته وكبسه وأخذه . وضربت الدبادب ليلًا عند وصوله حتى ارتاع الناس لأصواتها ، وظنوا أن حادثًا حدث من جهة القرمطي . ووجد المحسن في زي امرأة ، وقد قص لحيته ، وخضب يديه ورجليه ، ولبس قميصًا معصفرًا . فأوقع به ابن بعد شر من وقته مكروهًا عظيمًا ، وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار ، يؤدي الربع منها معجلًا .