مفهوم المدونة، ففيها: ومن جاوز الميقات ممن يريد الحج جاهلًا ولم يحرم، فليرجع ويحرم ولا دم عليه، إلا أن يخاف فوات الحج فليحرم من موضعه ويتمادى وعليه دم. انتهى. لكن فسرها أبو الحسن الصغير بالقول الثاني، فال: قوله: (جَاهِلًا) يريد أو عامدًا، وإنما خرج كلامه مخرج الغالب أن الشخص لا يفعل ذلك إلا جهلًا.
وفسر ابن عبد السلام القول الثاني بوجوب الدم مطلقًا، وجعل العالم يجب عليه الدم، وفي الجاهل قولان، وفيه نظر. فإن قيل: لم لا يحمل قوله: (وَقِيلَ) أنه عائد إلى قوله: (قَبْلَ الْبُعْدِ) ويكون المشهور عنده إنما يسقط عنه الدم إذا عاد قبل البعد، والشاذ أنه إذا عاد مطلقًا لا دم عليه. قيل: هذا غير صحيح؛ لأن المذهب أنه إذا عاد مطلقًا لا دم عليه كما سيأتي. وحمله بعضهم على أنه يريد بقوله: (وَقِيلَ: مُطْلَقًا) ما حكاه ابن يونس عن ابن المواز أنه يرجع ما لم يشارف مكة، فإن شارفها أحرم وأهدى. وهذا فيه بُعْدٌ من أوجه:
أولها: أن هذا القول مقيد والمصنف جعله مطلقًا.
ثانيًا: ليس في كلامه ما يدل على الرجوع أصلًا.
ثالثها: لو حملناه على هذا لزم مخالفة النقل؛ لأن كلامه حينئذ يدل على أن المذهب لا يرجع مطلقًا وليس كذلك، بل المذهب أنه يرجع مطلقًا كما ذكرناه عن المدونة. واعلم أن قوله: (فَإِنْ عَادَ) لا يقتضي أنه مطلوب بالعود ولا بعدمه، وقد تقدم من كلام المدونة أنه يرجع.
وقوله: (وَإِلا فَدَمْ) يدخل إذا عاد بعد البعد.
خليل: وتبع المصنف في هذه الأخيرة ابن شاس، فإنه صرح أنه إذا عاد بعد البعد فلا يسقط الدم عنه، وفي كلامهما نظر؛ لمخالفته لما حكيناه عن المدونة أناه إذا عاد لا دم عليه مطلقًا إلا أن يحرم، وكذلك قال في الإكمال ولفظه: ومن جاوز الميقات ونيته النسك بحج