ومما نهى/ الله عنه، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى؛ فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 285، 286] .
وقد ثبت في الصحيحين أن الله ـ سبحانه ـ استجاب هذا الدعاء وقال: قد فعلت، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: لما نزلت هذه الآية {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] قال: دخل قلوبهم منها شىء لم يدخلها قبل ذلك شىء أشد منه، فقال النبي صلى الله علية وسلم: (قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا) قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلى قوله: {أَوْ أَخْطَانَا} قال الله: قد فعلت {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} قال: قد فعلت: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: قد فعلت وقد قال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] .
وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله علية وسلم من حديث أبى هريرة وعمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعًا أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر) فلم يؤثم المجتهد المخطئ، بل جعل له أجرًا على اجتهاده، وجعل خطأه مغفورًا له ولكن المجتهد المصيب له أجران فهو أفضل منه، ولهذا لما كان ولى الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولى لله لئلا يكون نبيًا، بل ولا يجوز لولى الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا للشرع وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى الله علية وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه.
والناس في الباب [ثلاثة أصناف] طرفان وسط. فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولى لله وافقه في كل ما يظن أنه حدث/ به قلبه عن ربه، وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدًا مخطئًا، وخيار الأمور أوساطها وهو ألا يجعل معصومًا ولا مأثومًا إذا كان مجتهدًا مخطئًا، فلا يتبع في كل ما يقوله، ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده.
والواجب على الناس اتباع مع بعث الله به رسوله، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه يقول المخالف ويقول: هذاخالف الشرع.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم) وروى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال: (لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر) وفي حديث آخر: (إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه) ، وفيه: (لو كان نبى بعدى لكان عمر) ، وكان على بن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ يقول: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. ثبت هذا عنه من رواية الشعبى. وقال ابن عمر: ما كان عمر يقول في شيء: إني لأراه كذا، إلا كان كما يقول. وعن قيس بن طارق قال: كنا