وإنما حملوه على الاستحباب لورود عدد من الأحاديث في الرخصة بالرمي قبل الفجر ،
وهذه الرخصة وإن كانت في حق الضعفة إلا أنها تدل على أن حديث ابن عباس ليس
على ظاهره ، حيث إنه رُخص فيه للضعفة بالدفع ليلًا ولم يرخَّص لهم في الرمي ، وهذا
الظاهر تخالفه الأحاديث الأخرى ، كما سبق بيان ذلك .
وبناءً على ذلك يكون الرمي قبل الفجر جائزًا مطلقًا ، للضعفة وغيرهم ، وذلك لأن
حديث ابن عباس ( وهو واردٌ في حق الضعفة ) ليس على ظاهره ، وإذا كان كذلك فلا
دليل على المنع .
وقد أيَّدوا قولهم هذا بأن الإجماع انعقد على عدم الأخذ بظاهر حديث ابن عباس ، وعلى
جواز الرمي قبل طلوع الشمس ، حكاه ابن المنذر ، كما في التمهيد ( فتح البر 9/ 59 )
وَ فتح الباري ( 3 / 674 ) .
وهذا التوجيه لحديث ابن عباس ( أعني: بحمله على الاستحباب ) إنما هو عند من يقول
بصحة الحديث .
تعقيب ... الأدلةُ التي استدل بها أصحاب هذا القول ، يلاحظ أنها جاءت في شأن الضعفة وليست
عامةً لهم ولغيرهم ، ولذلك فهذه الأدلة إنما تصلح دليلًا لمن خصَّ جواز الرمي قبل
الفجر بالضعفة ( كما ذهب إلى ذلك أصحاب القول الرابع والخامس ) .
واستدلالهم بها على جواز الرمي قبل الفجر للأقوياء استدلالٌ بعيد ، إذ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنما أذن
بتعجيل الدفع من مزدلفة للضعفة فقط ، وترخيصه لهم دليلٌ على أن البقاءَ بمزدلفة ليلًا
عزيمةٌ في حق غيرهم ، وهذا البقاء شاملٌ لكل الليل حتى طلوع الفجر وإذا لم يجز لهم
الدفع قبل الفجر فكذلك الرمي .
ثم إن تحديدهم بـ ( منتصف الليل ) لا دليل عليه ، فالأحاديث ألفاظها مطلقة إلا
حديث أسماء ففيه ( هل غاب القمر ؟ ) ففهمت"رضي الله عنها"أن الإذن للضعفة
مقيدٌ بغيبوبة القمر ، لا بنصف الليل ، وهناك فرقٌ بينهما ، فقد ذكر الحافظ ابن
حجر"رحمه الله":"أن القمر يغيب في هذه الليلة في أول الثلث الأخير من الليل"
( الفتح 3 / 672 ) .