فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 54

والعبودية لله إنما هي في طاعة أمره أيا كان هذا الأمر في صغير أو كبير. فيما يوافق معقول المأمور، أو يخالف معقوله. فإن الرب الإله سبحانه وتعالى هو أعلم بما يأمر به وينهى عنه، والعبد لا يكون عبدًا على الحقيقة إلا إذا أطاع معبوده دون تردد أو توقف أو نظر أو سؤال؛ لم أمر بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولو كان العبد لا يطيع إلا فيما عقل وفهم لكانت طاعته لمعقوله ومفهومه وليس لخالقه وإلهه ومولاه ..

فإن الإنسان يطيع عقله، وقلبه في أشق الأمور على نفسه وبدنه، بل قد يركب الصعب والذلول في تنفيذ ما يأمره به سلطان العقل، أو سلطان القلب والهوى ...

ولو كانت طاعة الله تابعة لسلطان العقل والقلب والهوى لكان المعبود حقًا هو العقل والقلب والهوى وليس الله سبحانه وتعالى ...

بل العبودية أن يطيع العبد ربه فيما يخالف سلطان عقله وقلبه وهواه.

بل إن الدين قائم على مخالفة ما تهواه النفوس، وما يخالف رأي الإنسان ومعقوله أحيانًا وهذا هو معنى التعبد لله ... ولا يمنع أن يكون في الدِّين ما يوافق معقول الإنسان ونظره، ولكن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتعبد عباده بما يحكم به هو سبحانه وتعالى، لا بما يرونه بأنفسهم أو يعقلوه بعقولهم، أو تهواه أنفسهم.

8 -إبراهيم عليه السلام هو الإمام والمثال والقدوة والأسوة في المسارعة إلى تنفيذ أمر الله سبحانه:

هذا نبي الله إبراهيم جعله الله إمامًا للناس جميعًا، وجعل النبوة في ذريته دون سائر البشر، ولم يصل إبراهيم عليه السلام إلى ما وصل إليه من إمامة الدين إلا أنه أُمِرَ بأوامر إلهية تخالف معقول البشر فنفذها إبراهيم عليه السلام على النحو الذي أمره الله بها تمامًا. قال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم رَبُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا} ، وكان مما أمر به مما يخالف معقول البشر أن يلقي زوجته هاجر وابنها اسماعيل في أرض مقفرة موحشة لا إنس فيها ولا شيء وهي أرض مكة، وليس معهم أحد على الإطلاق وليس لهم من الزاد إلا جراب تمر، وقربة ماء ... ثم كر عائدًا وحده إلى بلاد الشام.

وهذا الأمر الإلهي لإبراهيم عليه السلام يخالف معقول البشر فإن أحدًا لو فعل ذلك من عند نفسه لكان فعله جريمة وإثمًا!!

وكذلك أمر الله سبحانه وتعالى له بأن يقتل ابنه بكره إسماعيل عليه السلام بعد أن شب وبلغ مبلغ الرجال، فسارع إلى تنفيذ الأمر دون تلكأ أو نظر، أو تسويف، ولو أن إنسانًا عمد إلى أن يقتل ابنه دون أمر من الله لكان هذا جريمة وإثمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت