خامسًا: أن بذلك تحقيق لمقصود من مقاصد الشارع في هذا الباب، وهو أن يوجد الفرق بين الناس، وأن يُعرف أن هذا مسلم وأن هذا من الكفار، بهيئته في بدنه، في لباسه، في وجهه، أما أن يبقى الناس سواسية لا تفرق بين المسلم والكافر، لا تجد فرقًا بين البوذي واليهودي والنصارى وما إلى ذلك، فإن هذا أمر لا يحسن ولا يجمل، وهو خلاف مقصود الشارع.
هذه الحكم من تحريم التشبه بالكفار، وأما الحكمة من منع التشبه بأهل الأهواء والبدع، فأقول: في ذلك زجر أكيد لهؤلاء الناس، فإذا كان هؤلاء من أهل الأهواء الذين خرجوا عن قوانين الشريعة وعن نظامها وابتدعوا بدعًا ما أنزل الله -عز وجل- بها من سلطان يجدون الآخرين يحاكونهم ويتشبهون بهم، فمتى يرتدعون؟
ففي هذا إنكار عليهم و-أيضًا- إلزامهم بالذل والصغار، وأمر آخر وهو أن يتميز صاحب السنة عنهم، فلا يضع نفسه موضع الريبة والتهمة، فينسب إليهم.
وأما الحكمة من منع التشبه بالفساق، فكذلك فيه زجر لهم وتأخيرهم، فهم لا يصلحون في مقام الصدارة، وكذلك ليتميز صاحب الطاعة والاستقامة عن أهل الفسق والفجور، وكذلك ليحافظ العبد على حدود الله -عز وجل-؛ لأن من شابه أهل الفسق فإن ذلك يعني الانحلال والانفلات من أوامر الله -تبارك وتعالى-، ومن التكاليف الشرعية.
وأما الحكمة من تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، فأقول: في ذلك محافظة على مقتضى الفطرة التي فطر الله -عز وجل- كل واحد من الجنسين عليها.
فالله -عز وجل- فطر الرجال على أن يكون الرجل قويًا شديدًا له سماته وخصائصه التي تليق بفحولته ورجولته التي هيأه الله -عز وجل- بها؛ ليتحمل الشدائد؛ ليعمل خارج المنزل، ومن أجل أن يصاول ويقاتل الأعداء، وأن يحمي الديار وما إلى ذلك، وأما المرأة فقد خلقت لمعنىً آخر.