فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 110

أكتبُ كلَّ يوم عدة خطابات أبوح فيها بكل نفسي لمن أحب حتى أستريح، وكثيرًا ما تكون رسائلي حزينة لِفَرْطِ ما أعيشُ من ألم.

الألم والحزن حياةٌ وسعادة، فالعينُ التي تدمع هي العين التي تجكع، والقلب الذي يتذوَّقُ الخير والنفس التي تحب وتبغض في الله، تلك وسائلُ المسلم في درب هذه الحياة حتى لا يضيعَ ولا يميع ولا يتسرب إليه الضعف والهوان.

لقد عرفتُ الحزنَ أكثر مما عرفت الفرح، فالذي يعيش فيه المسلمون اليوم ومن قبل لا يمنحُ الانسانَ الابتسامةَ، ولا يعطيه فرصة للراحة والاستقرار، وجيلنا نحن أكثر الأجيال عذابًا واحتراقًا، ولا تعجب إذا قلت لك إننا في حزن عميق لأننا كنا نتمنى أن نودّع هذه الدنيا ونلقى الله تعالى وقد تركنا من ورائنا ما نقدمه شفاعةً لنا بين يدي ربنا ومع كل هذا الشعور الذي يعيش في ضمائرنا فإننا على إيمانٍ وثقة أن جيلكم المجيد هو العزاءُ وهو الأمل، ورسائلي هذه وصية أن تعيشَ للإسلام وأن تحيا به وأن تجاهدَ في سبيله، وتذكر هذه الكلمات فلا تُلهينَّكَ عنها مطامعُ الحياة وزخرف الدنيا، وحسبك أنها وصية أخٍ يحبك ويأمل أن تكون على هذا الدرب صادقَ العهد والوعد حتى إذا التقينا في رحاب الله تعالى فلعلَّ أحدنا يشفعُ للآخر. حسبي أن قد وضعتُ بين يديك أمنيتي فيك فارتفعْ إلى مستوى هذا الأمل ليحققَ الله بكَ وبإخوانك الخيرَ للإسلام والمسلمين.

إن طريق الدعوات ليس كلامًا ولا شعاراتٍ ولا هتافات ولا مظاهرات. يجب أن ندرك من واقع التجارب السابقة الصادقة احتمالاتِ الخداع في هذه المظاهر الخارجية وهذا الحماس وهذا الإنفعال، الخيرُ في الصبر والمعاناة (فكثير من الناس يستطيعون أن يتخيلوا وقليلٌ من هؤلاء مَنْ يستطيعون أن يعملوا، وقليلٌ من العاملين من يستطيعون أن يجاهدوا، وقليل من المجاهدين من يستطيعون أن يصبروا، وقليل من الصابرين من يستطيعون أن يصلوا) .

يجب أن يدرك الداعية المسلم أنه من السهولة أن يسمعَ لهُ الناسُ، ولكن من الصعوبة بمكان أن يعمل معه هؤلاء الناس، لأن الإستماع أمرٌُ مُحَبَّبٌ إلى النفس، كما أنه من الممكن أن يدفع لك الناس اشتراكًا ماديًا، ولكن من الصعوبة أن يشترك معك الناس في قول الحق، فالتكاليف والأعباء وضبط السلوك على تعاليم الإسلام هي محور الإيمان والإعتقاد والإنطلاق، ولن يتحقق هذا السلوك بمجرد البلاغ ولكن لا بد من عوامل الزمن والإستعانة بالسنن الربانية في التربية والتكوين. وشعارنا في ذلك (الزمنُ جزءٌ من العلاج) (والصبر على منهاج هذه الدعوة وخطواتها هو عينُ الجهاد والكفاح) (والمتقدمُ عن الصفِّ كالمتأخر عنه سواءٌ بسواء) .

حين تدقق بهذا المعنى وتتذوقه وتعيش معه تشعر بثقل المهمة وضخامة الرسالة.

أخي الحبيب:

أريد أن تُوقِنَ أن دعوتنا إسلامية صحيحة ومهمتنا في هذه الظروف ليست إثارة النفوس وتَصَيُّدَ الأخطاء وتجريح الأشخاص والهيئات، فنحن أبعد الناس عن ذلك، بل إنّ ذلك يعوق مهمتنا الأساسية وينشئ خصومات لسنا في حاجةٍ إليها لأن مهمتنا (نجمعُ ولا نفرق. نبني ولا نهدمُ. نتعاونُ فيما اتفقنا عليه ويعذرُ بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت