الصفحة 89 من 95

فهذا هو الميزان الذي على أساسه يتم التفاضل والتمايز .. و يُعطى الولاء أو البراء .. و هو ما تلتزم به الطائفة المنصورة في تعاملها مع الآخرين، أما أولئك الذين يعقدون الولاء و البراء على أساس روابط و وشائج أخرى غير وشيجة العقيدة والإيمان .. فهم أبعد ما يكونون عن أخلاق وصفات الطائفة الظاهرة المنصورة .. مهما تشبعوا بلسانهم على أنهم منهم [1] .

فكيف نوفق بين كونهم ظاهرين و قاهرين لعدوهم، و بين واقع المسلمين في هذا الزمان؟!

إن من يمعن النظر فيما يجري على الساحة الإسلامية ـ تاريخيًا ـ يدرك أن لهذه الطائفة وجودًا في زماننا و في كل زمان مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» [2] .

و لكن الذي يمكن قوله هنا: أن حجم الظهور من حيث الكم و السعة .. و كذلك من حيث نوع الظهور .. قد يتضاءل أو يزيد في زمن دون زمن، و في مكان دون مكان .. بحيث يظن البعض بأن الطائفة المنصورة لم يعد لها وجود أو أثر. والحقيقة تكون أنه يجهل واقع المسلمين على وجه التفصيل، و ما يجري على الساحة من أحداث.

و ننبه على أن الأحاديث و الآثار الصحيحة التي دلت على أن الشام (الشام الكبرى: و تضم سورية، و فلسطين، ولبنان، والأردن، حتى تبوك من أراضي الجزيرة العربية) لا تخلو من وجود الطائفة المنصورة، كقوله - صلى الله عليه وسلم: «لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا، لا يضرهم من خذلهم من الناس حتى يأتي أمر الله، و هم بالشام» . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «عقر دار المؤمنين بالشام» . و قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا وقعت الملاحم بعث الله من دمشق بعثًا من الموالي أكرم العرب فرسًا، و أجودهم سلاحًا يؤيد الله بهم الدين» . فجميع هذه الأحاديث و غيرها تدل على أن الطائفة المنصورة لها وجود في الشام، و أنه مهما تضاءل أثرها و حجمها إلا أنها لا تعدم كليًا من الشام .. و أن الخير باق في الشام رغم أنف الطواغيت الظالمين! وإنه ليس للطائفة المنصورة مكانا محددا لا تتجاوزه إلى غيره، فحيثما يتواجد مقتضى صفاتها فهي تتواجد .. و لا أدل على ذلك من قبور الصحابة رضوان الله عليهم المنتشرة في أرجاء المعمورة بحسب ما اقتضاه منهم واجب الجهاد في سبيل الله!

الفصل الرابع: شبه القوم و الرد عليها.

* شبهة التمرد على الخلافة: ( ... و ظهر الخوارج كطائفة متمردة على الخلافة ... )

إن نعتهم للمجاهدين في العالم بالخوارج، المقصود به تعطيل الجهاد، بعدما صار فرض عين باتفاق العلماء قديمًا وحديثًا [3] ـ و ذلك بِعَدِّهِمْ الجهاد خروجًا عن الخليفة، وإذ لا خليفة فلا جهاد!!! ـ و لاجتثاث شأفة تلبيسهم لا بد من إيراد بعض الأدلة على جواز ـ بل على وجوب الإمارة في الحرب حالة وجود الإمام أو عدمه ـ ومن ذلك:

1 ـ فعل الصحابة رضوان الله عليهم يوم (مؤتة) عندما قُتل أمراؤهم الذين أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - .. فاجتمعوا على تأمير خالد بن الوليد من دون تأمير و لا إذنٍ من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعندما بلغ الخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، استحسن صنيعهم، و سمى خالدًا يومئذ سيف الله. قال ابن حجر في الفتح: (فيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير، قال الطحاوي: هذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلًا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر) . اهـ

و قال ابن قدامة في المغني: (فإن عُدم الإمام لم يؤخر الجهاد، لأن مصلحته تفوت بتأخيره، قال القاضي: فإن بعث الإمام جيشًا وأمَّر عليهم أميرًا فقتل أو مات، فللجيش أن يؤمروا أحدهم، كما فعل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في جيش مؤتة لما قتل أمراؤهم الذين أمَّرهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمروا عليهم خالد بن الوليد، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضي أمرهم و صوب رأيهم، وسمى خالدًا يومئذ سيف الله) . اهـ [4]

(1) انظر مبحث الولاء و البراء

(2) مسلم

(3) انظر مبحث الجهاد

(4) المغني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت