ومن صفاتهم الأخذ بالدين كله:
قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} جميع ما آتاكم به من عند ربه، وليس بعضه دون بعض، {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [1] . أي جميع ما نهاكم عنه.
و لما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: «كان خُلُقه القرآن» [2] القرآن كله .. بجميع تعاليمه و أوامره و نواهيه .. ولم تقل كان خلقه سورة البقرة أو التوبة أو الأنفال من القرآن!
و المؤمنون لهم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [3] . فهم يتأسون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع جوانب حياتهم التعبدية، و الاجتماعية، والسياسية، و الاقتصادية، و الجهادية ... و تراهم في جميع أقوالهم وأفعالهم و تقلباتهم و أحوالهم يتوخون سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ قدر المستطاع ـ ليقتدوا بها و يلتزموها .. فهم أهل اتباع لا ابتداع.
فهم لا يُعرفون براية أو علامة دون أخرى، و إنما هم جماعة تجتمع فيهم جميع عناصر الخير و معانيه، من دون تجزئة للدين أو فصل بعضه عن بعض .. و لو نظرت إليهم ترى فيهم الإسلام بشموليته .. و تمامه و كماله. فهم من جهة دعاة إلى الحق، يقومون بمهمة الدعوة والتبليغ على أحسن وجه، و على أساس من العلم و الفقه، و الحكمة والموعظة الحسنة .. و من جهة يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و يجاهدون في سبيل الله لا يخشون في الله لومة لائم .. و من جهة تراهم حريصين على طلب العلم و الفقه؛ فهم إما عالم أو متعلم .. و هم مع ذلك يهتمون بواقع وشؤون أمتهم، وما يحاك ضدها من مؤامرات تستهدف الإسلام والمسلمين .. فيعرفون سبيل المجرمين و مذاهبهم الهدامة .. أكثر من المجرمين أنفسهم! كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [4] .ـ و هم بعد ذلك لا يفوتهم أن يهتموا بالجانب التربوي لأنفسهم و لغيرهم، بالوسائل المشروعة الثابتة في الكتاب و السنة، فهم رهبان بالليل فرسان في النهار!
و هذه خصال جميعها تصب في منهاج عملي واحد متكامل متماسك، من دون تفريق أو فصل فيما بينها، أو تقليل لشيء من أهميتها .. فتراهم يؤدون كل عبادة في وقتها ومكانها المناسبين.
قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [5] و هذا مثل ضرب للمسلمين، أي أنكم إذا فعلتم فعل النصارى، فنسيتم حظًا من الدين و التوحيد، وعملتم ببعض الدين وتركتم بعضه الآخر، فإنه سيصيبكم ما أصابهم من التفرق و التنازع ... و العداوة و البغضاء!.
ومن صفاتهم أنهم يوالون و يعادون في الله:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [6] .
إن الطائفة المنصورة ـ صفوة الأمة جهادًا وعملًا ـ يعقد ولاؤهم و براؤهم على أساس الانتماء العقدي الديني و ليس شيئًا آخر غير ذلك، فهم يحبون ما يحبه الله ويرضاه، و يبغضون ما يبغضه الله ويسخطه، فالمرء عندهم بقدر طاعته لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، و بقدر قربه من الحق بقدر ما يعطى من الود والموالاة و النصرة، و بقدر عصيانه وبعده عن طاعة الله ورسوله بقدر ما يعطى من الجفاء و المعاداة .. بغض النظر عن لونه، ولغته، وموطنه .. ولا يستحق مطلق المعاداة والمجافاة إلا من كان كافرًا محادًا لله و لرسوله .. و عبدًا للشيطان و الطواغيت.
(1) الحشر: 7
(2) مسند الإمام أحمد: ج: 50 ص: 116
(3) الأحزاب: 21
(4) الأنعام: 55
(5) المائدة: 14
(6) المائدة: 54