ومعلوم أن المسيح نفسه ليس هو الكلام {قالت: أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر! قال كذلك الله يخلق ما يشاء، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون} فبين لما تعجبت من الولد أنه سبحانه يخلق ما يشاء؛ إذا قضى أمرًا أن يقول له كن فيكون، فدل ذلك على أن هذا الولد مما يخلقه الله بقوله: {كن فيكون} ؛ فلهذا قال أحمد بن حنبل: عيسى مخلوق بالكن؛ ليس هو نفس الكن ولهذا قال في آية أخرى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} فقد بين مراده أنه خلق بكن لا أنه نفس كن ونحوها من الكلام. (الفتاوي(20/ 493 - 494) .
معنى أن عيسى -عليه السلام- روح الله:
وأما معنى أن عيسى روح الله فهو أنه عليه الصلاة والسلام قد خلق بنفخة الملك الذي أرسله الله إلى مريم، وهذا الملاك هو جبريل، والذي سماه الله روح القدس كما جاء في قوله تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} فمنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم هو جبريل وسمي روح القدس أي الروح المقدسة، لأن الله نزهه وقدسه وهو روح لأنه نزل بالروح، كما سمّى الله القرآن روحًا فقال: {وكذلك أنزلنا إليك روحًا من أمرنا} ..
وأما نسبة روح القدس إلى الله فنسبة تشريف كما قال تعالى لمريم: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا، قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيًا} .
والنسبة إلى الله إن كانت معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله سبحانه وتعالى كما نقول سَمْعُ الله، وبَصَرُ الله، ورحمةُ الله، وإن كان المضاف إلى الله عينًا قائمة بنفسها كما نقول بيتُ الله، وناقةُ الله، ورسول الله، فهذه مخلوقات أضيفت إلى الله، وإضافتها هنا إلى الله إضافة تشريف وتعظيم.
وكذلك الشأن في وصف عيسى بأنه روح الله، ومعلوم أن عيسى ذات إنسانية فتسمية روح الله تسمية تشريف كما سمي جبريل كذلك روح الله تشريفًا له، وتقديسًا.
وبهذا نفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: [وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه] .
وفي الحديث الآخر: [ائتوا عيسى عبدالله ورسوله وكلمة الله، وروحه] (حديث البخاري، كتاب التفسير باب 2 حديث 1) .
الباب الثالث
النصارى أعظم الناس اختلافًا في دينهم