فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 55

لهم دائمًا بشريته، وأنه إنسان، وليس إلهًا، وذلك كما كان كل نبي يقول: {قل إنما أنا بشر مثلكم} .. قال عيسى: (وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب -أي مع العصاة والخاطئين- فقالوا هذا رجل سكير وشره، صديق لجباة الضرائب والخاطئين) .

ووصف عيسى -عليه السلام- نفسه بذلك دليل واضح، وصريح على أنه رسول من الله شأنه شأن يحيى -عليه السلام-، ولا اختلاف بينهم إلا في أسلوب الدعوة إلى الله، وهل يهجر العصاة، ويشدد عليهم زجرًا لهم أم يتلطف معهم ويدعوهم بالحسنى لاستمالتهم إلى الحق؟ ..

فهل من يقول هذا الكلام قد قام في نفسه مجرد ظن أنه هو الله أو إبنه نزل يدعو الناس إلى عبادة نفسه؟

4 -أجاب عيسى -عليه السلام- تلاميذ يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان) بأن ينظروا ما أجراه الله على يديه من الأعمال العظيمة:"فالعمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقامون، والمساكين يبشرون".

وكل هذه من المعجزات التي أيده الله بها والتي مضى مثلها في الرسل قبله، وجاء أعظم منها على يد محمد بن عبدالله -عليه الصلاة والسلام- بعده، وقد استدل عيسى بهذه الآيات على أنه فعلًا هو المسيح المبشر به في التوراة وذلك جوابًا على سؤال يحيى.

فالذي بشرت به التوراة كما أسلفنا هو المسيح الذي يمهد الأرض أمام النبي الخاتم محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه، ولم تبشر التوراة، وأي كتاب من السماء قط بأن الله ينزل بنفسه من فوق سبع سماواته ليكون بشرًا يمشي في الأرض، ويخاطب الناس، ويدعوهم، ويأكل، ويشرب، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فضلًا أن يكذب، ويهان ويصفع على قفاه، ويعلق على خشبة الصلب، ويبصق في وجهه، تعالى الله أن يمكن أعداءه من رسول، وتعالى الله في ذاته أن يكون محلًا لكل هذه النقائص ..

5 -قارن عيسى -عليه السلام- بين نفسه وبين يحيى -عليه السلام- بأن عيسى هو الأصغر ولكنه الأعظم في ملكوت الله حيث قال: (إني أقول لكم: إنه ليس بين من ولدتهم النساء أعظم من يوحنا، ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه) (لوقا 7/ 29) .

وأنت ترى هنا أن عيسى -عليه السلام- قد قارن بين نفسه وبين يحيى -عليه السلام- مقارنة بشر ببشر، ونبي بنبي، ولا شك أن يحيى -عليه السلام- عظيم كما جاء في القرآن الكريم: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميًا} ولكن عيسى -عليه السلام- أعظم منه، والصغر هنا صغر السن، ومثل هذه المقارنة ما كانت لتعقد لو أن عيسى -عليه السلام- كان إلهًا، ويحيى -عليه السلام- كان بشرًا نبيًا، لأنه لا مقارنة بين الله، وخلقه، ولو كان عيسى موجودًا قبل الخلق كله كما يزعم النصارى ما قال عن نفسه ويحيى (ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه) !!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت