فهرس الكتاب

الصفحة 4760 من 5957

من عرف الله اتسع عليه كل ضيق ولا تنافي بين هذين الكلامين فانه يضيق عليه كل مكان لاتساعه فيه علي شأنه ومطلوبه ويتسع له ما ضاق علي غيره لانه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه فقلبه غير محبوس فيه والأول في بداية المعرفة والثانى في غايتها التي يصل اليها العبد وقال آخر من عرف الله تعالى صفا له العيش وطابت له الحياة وهابه كل شيء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله وقال غيره من عرف الله قرت عينه بالله وقرت به كل عين ومن لم يعرف الله تقطع قلبه علي الدنيا حسرات ومن عرف الله لم تبق له رغبة فيما سواه وعلامة العارف ان يكون قلبه مرآة اذا نظر فيها رأي فيها ا لغيب الذي دعي الي الايمان به فعلي قدر جلاء تلك المرآة يتراءى له فيها سبحانه والدار الآخرة والجنة والنار والملائكة والرسل كما قيل # اذا سكن الغدير علي صفاء * فيشبه ان يحركه النسيم * بدت فيه السماء بلا مراء * كذلك الشمس تبدو والنجوم * كذاك القلوب أرباب التجلي * يري في صفوها الله العظيم # ومن علامات المعرفة أن يبدو لك الشاهد وتفني الشواهد وتنجلي العلائق وتنقطع العوائق ويجلس بين يدي الرب ويقوم ويضطجع علي التأهب للقائه كما يجلس الذي قد شد أحماله وازمع السفر علي تأهب له ويقوم ذلك ويضطجع عليه ومن علامات العارف ان لا يطالب فلا يخاصم ولا يعاقب ولا يري له علي أحد حقا وان لا يتأسف علي فائت ولا يفرح وبآت لأنه ينظر في الاشياء بعين الفناء والزوال وانها في الحقيقة كالظلال والخيال وقال الجنيد لا يكون العارف عارفا حتي يكون كالأرض يطؤه البر والفاجر وكالسحاب يظل كل شيء وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب وقال يحي بن معاذ يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين بكائه علي نفسه وثنائه علي ربه وهذا من أحسن ما قيل لأنه يدل علي معرفته بنفسه وعلي معرفته بربه وجماله وجلاله فهو شديد الازراء علي نفسه لهم الثناء علي ربه وقال أبو يزيد انما نالوا المعرفة بتضييع مالهم والوقوف ما ماله يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله تعالى والآخر لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن الله طرفه عين وهذا يحتاج الي شرح فان ما هو دون ذلك يشغل القلب لكن اذا كان اشغاله بغير الله لله فذلك اشتغال بالله وقال ابن عطاء المعرفة علي ثلاثة أركان الهيبة والحياء والانس وقيل العارف ابن وقته وهذا من أحسن الكلام وأخصره فهو مشغول بوظيفه وقته عما مضي وصار في ال عدم عما لم يدخل بعد في الوجود فهمه عمارة وقته الذي هو مادة حياته الباقية ومن علاماته أنه يستوحش ممن يقطعه عنه ولهذا قيل العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق و افتقر الي الله فأغناه عنهم وذل لله فأعزه فيهم وتواضع لله فرفعه بينهم واستغني بالله فاحوجهم اليه وقيل العارف فوق ما يقول والعالم دون ما يقول يعني ان العالم علمه أوسع من حاله وصفته والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره وقال أبو سليمان الداراني ان الله يفتح للعارف علي فراشه مالا يفتح له وهو قائم يصلي وقال ذو النون لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله وقال بعضهم رياء العارفين أفضل من اخلاص المريدين وهذا كلام ظاهره منكر محتاج الي شرح فان العارف لا يرائي المخلوق طلبا للمنزلة في قلبه وانما يكون ذلك منه نصيحة وارشادا وتعليما فهو يدعوا الي الله بعلمه كما يدعوا الي الله بقوله واخلاص المريد مقصور علي نفسه وقال ذو النون الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين وسئل الجنيد عن العارف فقال لون الماء لون انائه وهذه كلمة رمز بها الي حقيقة العبودية وهو أنه يتلون في أقسام العبودية فبينا تراه مصليا اذ رأيته ذاكرها أو قارئا ومتعلما ومعلما ومجاهدا وحاجا ومساعد للضعيف ومعينا للملهوف فيضرب في كل غنيمة بسهم فهو مع المنتسبين منتسب ومع المتعلمين متعلم ومع الغزاة غاز ومع المصلين مصل ومع المتصدقين متصدق وهكذا ينتقل في منازل العبودية من عبودية الي عبودية وهو مستقيم علي معبود واحد لا ينتقل عنه الي غيره وقال يحي بن معاذ العارف كائن بائن وقد فسر كلامه علي وجوه منها انه كائن مع الخلق بظاهره بائن عن نفسه ومنها انه كائن مع ابناء الخرة بائن عن ابناء الدنيا ومنها انه كائن مع الله بموافقته بائن عن الناس بمخالفته @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت