وبوَّب البخاري في صحيحه: باب أجر من قضى بالحكمة لقول الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( ، وساق بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطته على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها] قال ابن حجر: وفي الحديث الترغيب في ولاية القضاء لمن استجمع شروطه ، وقوي على أعمال الحق، ووجد له أعوانًا ؛ لما فيه من الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق لمستحقه، وكف يد الظالم، والإصلاح بين الناس، وكلُّ ذلك من القربات ؛ فلذلك تولاه الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء الراشدون، ومن ثم اتفقوا على أنَّه من فروض الكفاية؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه وإنما فرَّ من فرَّ منه خشية العجز عنه وعند عدم المعين عليه أ.هـ(الفتح 13/129) .
كما روى الشيخان من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر] وفيه بيان أجر الحاكم إذا اجتهد. والاجتهاد هنا: هو استفراغ الطاقة والوسع في البحث والنظر في القضية مع استجماع الأدلة الشرعية وتنزيل القواعد المرعيَّة. قال ابن المنذر: إنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالمًا بالاجتهاد فاجتهد ، وأما إذا لم يكن عالمًا فلا ، واستدل بحديث بريدة في السنن (القضاة ثلاثة وفيه: قاض قاضى بغير حق فهو في النار، وقاضٍ قضى وهو لا يعلم فهو في النار"أ.هـ وقال الخطابي: إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعًا لآلة الاجتهاد فهو الذي نعذره بالخطأ بخلاف المتكلف فيخاف عليه من الوزر أ.هـ انظر فتح الباري(13/331) وبذلك يتبين أن هذا الحديث من نصوص الترغيب والترهيب حيث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فيه الأجر للحاكم وقصره على المجتهد مع كون الاجتهاد يحتاج إلى استفراغ الطاقة وبذلك الوسع ."