(إِذَا رَأَيْتُمُوهُ) الرؤية هنا بصرية، أي: أبصرتموه أي: هلال رمضان.
(فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) أي: غُطيَ عليكم، قال النووي: معناه حال بينكم وبينه غيم.
• ما معنى (فَاقْدُرُوا لَهُ) ؟
معناه: أكملوا شعبان ثلاثين يومًا.
فقد جاء في الرواية الأخرى (فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا) وهذه مفسرة رواية (فاقدروا له) أن معنى اقدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا.
قال ابن حجر: ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله (فأكملوا العدة ثلاثين) ونحوها، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.
وقال القرطبي: وقوله (فاقدروا له) أي: قدِّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا. يقال: قدَّرت الشيء أقدُرُه وأقدِره- بالتخفيف - بمعنى: قدَّرته - بالتشديد - كما تقدَّم في أول كتاب الإيمان. وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث، وقد دلَّ على صحته ما رواه أبو هريرة مكان: فاقدروا له (فأكملوا العدة ثلاثين) .
وقال النووي: وَفِي رِوَايَة (فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ) وَفِي رِوَايَة (إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَال فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ غُمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَد) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ عَمِيَ عَلَيْكُمْ الشَّهْر فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) وَفِي رِوَايَة (فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) .
هَذِهِ الرِّوَايَات كُلّهَا فِي الْكِتَاب عَلَى هَذَا التَّرْتِيب، وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ: (فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ) .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى (فَاقْدُرُوا لَهُ) فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْت السَّحَاب، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْره مِمَّنْ يُجَوِّز صَوْم يَوْمِ لَيْلَةِ الْغَيْمِ عَنْ رَمَضَان.
وَذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَجُمْهُور السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: قَدِّرُوا لَهُ تَمَام الْعَدَد ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِالرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَة، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة ثَلَاثِينَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِـ (اقْدُرُوا لَهُ) وَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي رِوَايَةٍ، بَلْ تَارَة يَذْكُر هَذَا، وَتَارَة يَذْكُر هَذَا، وَيُؤَكِّدهُ الرِّوَايَة السَّابِقَة (فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ) .
وقيل: إن معنى (اقدروا له) أي ضيقوا، من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله) ، والتضييق أن يجعل شعبان (تسـ29ـعة وعشرون) يومًا.
• بما يجب صوم رمضان؟
صوم شهر رمضان يجب بأمرين:
الأول: برؤية هلال رمضان.
لحديث الباب: (صوموا لرؤيته ... ) .
الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يومًا.
قال في المغني: لأنه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافًا.
• ماذا نستفيد من قوله (إذا رأيتموه) ؟
نستفيد: أن الرؤية هي المستند الشرعي في أحكام الصيام والإفطار، وأنه لا عبرة بالحساب ولا يصح الاعتماد عليه بحال من الأحوال.
• قال ابن تيمية: ولا ريب أنه ثبت في السنة الصحيحة واتفاق الصحابة، أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل، وعلم الحساب، فإن العلماء في الهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي.
• ما حكم من رأى هلال رمضان لوحده، أو رآه ورد قوله؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه يصوم وحده ويفطر سرًا.
وهذا قول الشافعية والظاهرية.
أ- لقوله تعالى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) .
ب- ولحديث الباب (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) .
ج- أنه يلزم على غير هذا القول، أن يفطر في يوم يعتقد أنه من رمضان، وأن يصوم يومًا يعتقد أنه العيد.
القول الثاني: يصوم وحده ويفطر مع الناس.
وهذا قول الحنفية والمالكية والمشهور عند الحنابلة.
قالوا: يصوم وحده للأدلة السابقة، وأما الفطر، فلا يفطر إلا مع الناس، لأن دخول شوال يكون بشاهدين.
القول الثالث: أنه يصوم مع الناس ويفطر معهم.
وهذا اختيار ابن تيمية.
أ- لحديث أبي هريرة قال: قال - صلى الله عليه وسلم - (صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون) . رواه أبو داود
ب- ولحديث أبي هريرة الآخر قال: قال - صلى الله عليه وسلم - (الصوم يوم تصومون, والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) . رواه الترمذي
وقد ذكر الخلاف شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، فقال: