لكن هذا الحديث ورد في حق غير الحاج، أمّا الحاج فلا يصومه اقتداء وتأسيًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه من بعده، وفيه قوة على الدُّعاء والذكر والعبادة، والدعاء فيه مستجاب، وأنّ يوم عرفة هو يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه كما في الحديث الذي تقدَّم ذكره.
والراجح القول الأول وهو استحباب فطره.
• ما الحكمة من استحباب فطره للحاج؟
قيل: ليتقوى على الدعاء.
وقيل: لأنه عيد لأهل عرفة.
قال ابن القيم: قالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهذا قول الخرقي وغيره.
وقال غيرهم - منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يستحب صومه لهم، قال: والدليل عليه الحديث الذي في السنن عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يوم عرفة، ويوم النحر , وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام) قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيدًا في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم.
• هل تكفير الذنوب في صوم عرفة يشمل الصغائر والكبائر أم فقط الصغائر؟
التكفير يقع للصغائر دون الكبائر، وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ-لقوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) .
ب-ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر) . رواه مسلم
فإذا كانت الصلوات الخمس لا تقوى على تكفير الكبائر، فمن باب أولى صيام عرفة.
• أيهما أفضل يوم عرفة أم يوم عاشوراء؟
قال ابن حجر: روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: إن صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين.
وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلذلك كان أفضل.
وقال ابن القيم: فإن قيل: لم كان عاشوراء يكفر سنة، ويوم عرفة يكفر سنتين؟ قيل: فيه وجهان:
أحدهما / أن يوم عرفة في شهر حرام، وقبله شهر حرام، وبعده شهر حرام، بخلاف عاشوراء.
الثاني / أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا، بخلاف عاشوراء، فضوعف ببركات المصطفى.
• ما هو يوم عاشوراء؟
هو اليوم العاشر من محرم، وهذا مذهب جمهور العلماء.
• ما فضل صوم يوم عاشوراء؟
أنه يكفر سنة كاملة.
لحديث الباب (وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ:"يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ) ."
• هل كان صوم يوم عاشوراء واجبًا أم تطوعًا؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لم يكن واجبًا قبل فرض رمضان، بل كان سنة باق على سنيته.
وهذا قول الشافعية والحنابلة.
قال ابن حجر: ذهب الجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - إلى أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان.
أ- لحديث مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَان أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِر) متفق عليه.
وجه الدلالة: أن قوله (لم يكتب عليكم صيامه) يدل على أنه لم يكن واجبًا قط، لأن لم لنفي الماضي.
القول الثاني: أنه كان واجبًا فنسخ وجوبه بفرض صيام رمضان.
وهذا قول الحنفية والمالكية واختيار ابن تيمية.
أ- عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ (كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَه) . متفق عليه
قال ابن بطال: دلّ حديث عائشة على أن صومه كان واجبًا قبل أن يُفْرَض رمضان، ودل أيضًا أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضًا.
• هل يكره إفراد صوم عاشوراء؟
لا، لا يكره.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام العاشر وأمر به، ويحصل بصيامه الأجر المترتب على ذلك من التكفير.
• ما الأفضل أن يصوم يومًا قبله أم بعده؟
الأفضل أن يصوم يومًا قبله، وعلى هذا جاءت أكثر الأحاديث.
فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع) . رواه مسلم
وقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال (صوموا التاسع مع العاشر) .
وأما حديث: صوموا يومًا قبله وبعده - وكذلك حديث: صوموا يومًا قبله أو بعده، ضعيفة لا تصح.
• ما الحكمة من استحباب صوم اليوم التاسع مع العاشر؟
قال النووي: وذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهًا: