الصفحة 26 من 51

وجه الدلالة: أن عموم حديث عائشة يتناول رمضان وغيره، وفي حديث بريدة لم يستفصل من السائل عن هذا الشهر: هل هو رمضان أو غيره، ولو كان هناك فرق في الحكم لوجب الاستفسار أو بينه، فلما سكت عنه - صلى الله عليه وسلم - دل على اتحاد الحكم.

قال البيهقي عن حديث بريدة: فهذا الحديث قد صحَّ، وهو صريح في جواز الصوم عن الميت بعيدٌ من التأويل.

وقال الشوكاني عن حديث (من مات وعليه صوم) : فيه دليل على أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات وعليه صوم، أيّ صوم كان.

ج- ما ذكره ابن تيمية: أنه إذا جاز الإطعام عنه وهو ليس من جنس الصيام، فالصيام من باب أولى، لأنه أقرب إلى المماثلة.

القول الثالث: لا يصام عن الميت مطلقًا.

وهذا مذهب الجمهور.

قال النووي: وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ مَيِّت لَا نَذْر وَلَا غَيْره، حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، وَرِوَايَة عَنْ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ، وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض وَغَيْره: هُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء.

وقال الحافظ ابن حجر: وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت.

أ- لحديث ابن عمر. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (من مات وعليه صوم رمضان، فليطعم عن كل يوم مسكينًا) رواه الترمذي (حديث ضعيف) .

ب-لقول ابن عباس (لا يصلِّ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد) . أخرجه النسائي

ج-ولقول عائشة (لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم) . أخرجه عبد الرزاق. قالوا:

فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه، دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.

قال ابن حجر: وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدًا، والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه.

والراجح القول الثاني، وأنه يصام عنه الواجب بأصل الشرع والنذر.

• بماذا أجاب الجمهور عن حديث عائشة (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ؟

قالوا المراد بقوله (صام عنه وليه) أي يفعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام.

قال النووي: وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، بَلْ بَاطِلٌ، وَأَيُّ ضَرُورَةٍ إِلَيْهِ وَأَيُّ مَانِع يَمْنَع مِنْ الْعَمَل بِظَاهِرِهِ مَعَ تَظَاهُرِ الْأَحَادِيثِ، مَعَ عَدَم الْمُعَارِض لَهَا، قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابنَا: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ صَلَاةٌ فَائِتَة، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُصَام عَنْ أَحَد فِي حَيَاته، وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِي الْمَيِّت.

وقال الشوكاني: وهو عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة.

• ما الجواب عن حديث ابن عمر (من مات وعليه صوم رمضان، فليطعم عن ... ) ؟

الجواب عنه: أنه حديث لا يصح.

قال الترمذي: لا يصح مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله.

وقال ابن حجر: قال الدارقطني: المحفوظ وقفه على ابن عمر.

وقال البيهقي: هذا خطأ من وجهين؛ أحدهما: رفعه الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو قول ابن عمر.

وقال النووي: ليس بثابت.

• متى يكون على الميت صيام؟

ويكون عليه صيام إذا تمكن منه فلم يفعل، أما إذا لم يتمكن فليس عليه صيام.

مثال: إنسان نذر أن يصوم [3] أيام، ثم مات من يومه، فهذا ليس عليه شيء لأنه لم يتمكن منه.

مثال آخر: إنسان مرض في: 20 رمضان فأفطر، وتواصل به المرض شهر شوال وشهر ذي القعدة، ثم مات، فهذا ليس عليه صوم، فلا يقضى عنه، لأنه لم يمر عليه أيام يتمكن منها القضاء. (الشيخ ابن عثيمين) .

• هل الأمر بالحديث للوجوب أم للاستحباب؟

الأمر بالحديث (فليصم عنه وليه) ليس للوجوب عند جمهور العلماء، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادّعوا الإجماع على ذلك.

قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتد بكلامهم على قاعدته.

الدليل على أنه غير واجب:

أ- أننا لو قلنا بالوجوب للزم أن يأثم الولي إذا لم يصم، والله يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى) .

ب- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبهه بالديْن، كما قال - صلى الله عليه وسلم - للمرأة (أرأيتِ لو كان على أمكِ ديْنٌ أكنتِ قاضيَتَه؟ .... فقال: صومي) ومن المعلوم أن الوارث لا يجب عليه قضاء ديْن مورثه.

• ما المراد بالولي في قوله (صام عنه وليه) ؟

اختلف في المراد بالولي:

فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبه، والأول أرجح.

قال النووي: وَالْمُرَاد بِالْوَلِيِّ الْقَرِيب، سَوَاء كَانَ عَصَبَةً أَوْ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَاد الْوَارِث، وَقِيلَ: الْعَصَبَة، وَالصَّحِيح الْأَوَّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت