فقهاء الأندلس المالكية, فكان المفروض ـ والحالة هذه ـ أن يقبر هذا الكتاب في المهد إلا أنه تحدى الأعاصير وقوام عوادي الزمان, وهمس في آذان فقهاء الرأي والقياس بقوله تعالى (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وما زال الكتاب إلى الآن موردا أثرا للباحثين ومصدرا أصيلا للدارسين , لما اتسم به منهجه من جمال العرض وروعة البيان, وقوة الاستدلال, وجدية المناقشة, وإن شذ عن الجماعة بإنكار القياس جملة وتفصيلا, ونافر المالكية بنقض أصلهم الأثير عمل أهل المدينة, بيد أنه لا يترك القارئ يتساءل في حيرة, حتى يعرض لما يخطر بباله من شبه فيناقشها بعارضة قوية, ونفس علمي عال, وحسب أبي محمد رحمه الله ذلك الجهد المبذول في نصرة ما يراه حقا وهو المجتهد الحائز لأدوات الاجتهاد, ولهينه الأجر الموفور المدخر لمن أخطأ في اجتهاده, ورحم الله الإمام مالكا إذ قال: كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر الرسول صلى الله عليه وأله وسلم, وقد طبع كتاب الإحكام) مرارا وأحسن طبعاته ما صدر بتحقيق الدكتور إحسان عباس , وهو وإن كان من شيوخ المحققين وألمعهم ذكرا إلا أنه كغيره من خريجي الجامعات العصرية يقصر عن الواجب في ناحية التخريج الحديثي, وهذه أعمالهم في العلوم الشرعية تنادي بتقصير فاضح وضعف واضح,لا يفكرون في تداركه بدراسة فن تخريج الحديث, والتدرب عليه, وقد ألهم الله أخانا الأستاذ الفاضل أبا الفضل بدر العمراني الطنجي فتصدى للكتاب في طبعته تلك, وخرج أحاديثه وآثاره تخريجا جيدا مفيدا وسطا بين الإخلال والإملال, وقد قرأت الكتاب كله, نعمت بعمل الأخ الذي هو في الواقع العمود الفقري للكتاب بالنظر إلى موضوعه في أصول الفقه الظاهري الذي يعتمد على النقل المحض في جميع مباحثه ومطالبه, ويتحامى المعقول والقياس إذ مبنى الكتاب على إنكاره ودفع أدلته ونقضها, فلله در أخينا (البدر) وعسى أن يتابع نشاطه العلمي في هذا الميدان , فيتصدى لكثير من الكتب السائرة لا سيما في الآداب والمحاضرات, وهي تضم المآت من غرائب الأحاديث والآثار لم يعرج أحد أولئك المحققين