ومن الذي بيده تقليب القلوب وتصريفها، إنه الله سبحانه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم:
(إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) [1] .
القاعدة الثالثة: أن مذهب أهل السنة والجماعة في شأن الإيمان، أنه يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهل يستوي إيمان عبد تعلق قلبه بالمساجد، وشغف بحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأضاء نور القرآن عقله، وأنارت السنة بصيرته، بمن صد عن هذا كله، فرضي بمستنقعات الرذيلة له موردًا ومشربًا، وامتلكت جوارحَهُ المعاصي، وسرى في دمه داءُ التبعية لكل ناعق، فاستمتع بالشهوات المحرمة، وسلَّم قياده لشيطان الهوى؟ لا والله الذي لا إله إلا هو لا يستوون، وهل يستوي من قال الله فيه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ، هل يستوي هؤلاء بمن قال الله تعالى فيهم:
{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أقول: لا يستوون!!
القاعدة الرابعة: أن بقاء قلب المؤمن على الدرجة الرفيعة من الإيمان التي يجدها في أعظم العبادات قدرًا، وأكثرها تأثيرًا؛ كالصلاة، والحج، والصيام وتلاوة القرآن، وقيام الليل، أمر متعذر؛ لشدة انشغال القلب بأعمال الدنيا، وملذاتها، وما يعتريه فيها من أفراح وأتراح، وليس هذا من الرياء أو النفاق في شيء، وقد وجد هذا أفضل القرون من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد روى مسلم في صحيحه: عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ - رضي الله عنه -، قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَايُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَايُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ
(1) رواه مسلم.