فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 25

السبب الرابع عشر: الغفلة عن محاسبة النفس، فترى أحدنا يسير في هذه الدنيا ولم يجعل على نفسه حسيبًا، فتكثر عثراته، وتتضاعف زلاته، لا يعرف ما فعل، ولا يدرك ماذا قال، ولا يتراجع عن خطأ، ولا ينشط لفعل طاعة، كل تصرفاته مرتجلة، لا يضع لنفسه أهدافًا، ولا يسأل نفسه ماذا أنجز في يومه، وكم قصّر في حق ربه، وكم ضيّع من حقوق عباده ... .

فهل حاولنا أن نخلو بأنفسنا ساعة نحاسبها عما بدر منها من الأقوال والأفعال؟ وهل حاولنا يومًا أن نعد سيئاتنا كما نعد حسناتنا؟ بل هل تأملنا أن طاعتنا قد لا يخلو بعضها من الرياء والسمعة، كيف القدوم على الله _يا عباد الله _ ونحن لأنفسنا غير محاسبين، ولحساب الله غير مطيقين، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) ).

إن محاسبة النفس _ أيها الأحبة _ هي من شأن الصالحين الأتقياء، المخبتين الأنقياء، المنيبين الأصفياء، الذين لبوا نداء الرحمن حينما قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .

ألم تروا إلى الصديق - رضي الله عنه - كيف كان يمسك بلسانه ويقول: (هذا الذي أوردني الموارد) ، ألم تسمعوا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يضرب نفسه بدرته فيقول: ماذا فعلت اليوم؟ وأن الأحنف بن قيس - رضي الله عنه - كان يضع إصبعه على السراج فيقول: لماذا فعلت كذا وكذا يا حنيف؟

إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل

فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا ... فإنما الربح والخسران في العمل

قال ميمون بن مهران: (لا يكون العبد تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل:(النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك) .

أخي الحبيب: إن محاسبة النفس في الدنيا، كفيلة أن تريحك من عناء الحساب في الآخرة، فإن من نوقش الحساب فقد عذب، أما يكفيك بذلك أن تتعرف على أخطاء نفسك فتصلحها، أما يحثك هذا على الندم على اقتراف الذنب، والإقلاع عن المعصية، أما تشعرك مساءلة نفسك بعفو الله وحلمه عليك أن لم يعجل عقوبته بك، أو يقبضك على ما أنت عليه من المعصية، أما تعطيك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت