الصفحة 23 من 61

(المأخذ الرابع: أخبار الآحاد وموقف المعتزلة القديمة والحديثة منها)

لما كانت المعتزلة تنكر وتنفي صفات الله عز وجل، وكانت أكثر أحاديث الصفات جاءت عن طريق أخبار الآحاد، اضطر المعتزلة- العقلانيون القدماء- إلى إيجاد مخرج يخلصهم مما وقعوا فيه، فلم يجدوا بد من إنكار حجية خبر الواحد، فردوا لأجل ذا أخبار الآحاد وقالوا إنها أخبار ظنية لا يجوز الاحتجاج بها في المسائل القطعية!.

وخفف الوطأة قليلًا رجال المدرسة العقلية الحديثة، والعقلانيون الجدد، ففرقوا بين الأحكام والعقائد، فيقبل خبر الواحد في الأحكام لا في العقائد. وهذا التفريق حادث لم يعرف في الشريعة إلا من طريق الأشاعرة، فهم أرادوا التوسط بين قول أهل السنة والمعتزلة، فوقعوا بقولهم هذا في تناقضات عديدة [انظر موسوعة أهل السنة: للشيخ عبد الرحمن دمشقية (1/ 552) ] .

وأما أهل السنة والجماعة فإنهم إذا صح الخبر عندهم قبلوه وعملوا به مطلقًا، ولا فرق عندهم بين الأحكام والعقائد. وذكر الأدلة على حجية خبر الواحد يطول وفيه أُلفت المصنفات الكثيرة فمن أراد الاستزادة فليرجع إليها.

-نماذج:-

1 -المذهب الحق:

-روى البيهقي عن إسحاق بن راهويه قال: (دخلت على عبد الله بن طاهر فقال لي: يا أبا يعقوب. تقول إن الله ينزل كل ليلة؟. فقلت: أيها الأمير: إن الله تعالى بعث إلينا نبيًا نقل إلينا عنه أخبارًا، بها نحلل الدماء وبها نحرم، وبها نحلل الفروج وبها نحرم، وبها نبيح الأموال وبها نحرم، فإن صح ذا صح ذاك، وإن بطل ذا بطل ذاك) [رواه البيهقي في الأسماء والصفات 568 (نقلًا من الموسوعة(1/ 522) ] .

-وقال ابن حزم: (إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم، يجري ذلك على كل فرقة .. حتى حدث متكلموا المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك) [الأحكام (1/ 102) ] .

-وقال عبد القاهر البغدادي: (وكان الخياط - [أحد رموز المعتزلة] - مع ضلالته في القدر، وفي المعدومات منكر الحجة في أخبار الآحاد، وما أراد بإنكاره إلا إنكار أكثر أحكام الشريعة، فإن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار من أخبار الآحاد [الفرق بين الفرق ص 180] .

-وقال أبو المظفر السمعاني: (إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الأئمة الثقات، وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا عامة قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به، شيء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت