الصفحة 18 من 61

(المأخذ الثالث: رد الأحاديث الصحيحة والطعن في الرواة)

وقف (أهل الأهواء) العقلانيون -قديمًا وحديثًا- من السنة النبوية الصحيحة موقفًا مشينًا، وذلك لأن كثيرًا من الأحاديث الصحيحة تقتلع أصولهم من جذورها، وتفسد عليهم منهجهم الذي أصلوه وبنوا عليه طريقتهم. ولذلك سلكوا في رد الأحاديث الصحيحة التي خالفتها عقولهم المريضة طرقًا مختلفة.

فأول شيءٍ يؤولون الحديث بما يوافق أهوائهم وعقولهم، فإن أعياهم تأويل الحديث ولم يجدوا إلى ذلك سبيلًا، لجئوا إلى رد الحديث، فإن كان غير متواتر استراحوا وقالوا: هذا خبر آحاد ظني لا نقبله مطلقًا، وهؤلاء هم المعتزلة القدماء، و المعتزلة الحديثة والمعاصرة، قصروا قبول خبر الآحاد على الأحكام دون العقائد، وليس لديهم على هذا التفريق دليل صحيح، وهم مع ذلك تراهم لا يلتزمون بهذا التأصيل الذي أصلوه في خبر الآحاد، فحتى الأحكام يردون بعض الأحاديث الظنية! فعاد الأمر إلى الهوى وتحكم العقل.

ولا يعنيهم بعد ذلك أن يكون في الصحيحين أو في غيرهما من كتب الحديث، وإن كان متواترًا بحثوا في سنده، فإن كان أحد رواته قد روى شيئًا من الإسرائيليات ردوا حديثه لأنه قد يكون مأخوذًا من التوراة، أو بحثوا في سيرة رواته علّهم يجدون قشة يتعلقون بها للطعن بهم حتى يردوا الحديث. وقد تطاول العقلانيون قديمًا وحديثًا على الصحابة وخصوصًا رواة الأحاديث، ونالوا من عرضهم وكذبوهم، معرضين بذلك عن تزكية الله لهم وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم. وهم - أي العقلانيين- سلكوا هذا السبيل لكي يسهل عليهم رد الحديث، فإذا طُعن في الراوي في أمانته وصدقه وعدله، كان ذلك مدخلًا لرد مروياته.

وأهل الحديث بذلوا جهودًا مضنية في تدوين الحديث، وضبط ألفاظه، وبيان حال نقلته جرحًا وتعديلًا، وبيان العلل التي يرد بها الحديث سواء في سنده أو متنه، وصنفوا في ذلك التصانيف الكثيرة المشهورة، ووضعت كتب الجرح والتعديل، وغير ذلك من الكتب التي جعلت بعض المستشرقين يعترف بحسن صناعة أهل الحديث ودقتهم وضبطهم وحسن تواليفهم. ووصف طريقتهم يطول ليس هذا محله، وإنما مرادنا هو بيان أن رد العقلانيون للحديث ليس من قبيل التحقيق العلمي -الذي يدعونه - بل هي أهواء تعلقت بها قلوبهم فأعمتهم عن رؤية الحق - نسأل الله العافية-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت