المآخذ الرئيسة على الاتجاه الاعتزالي قديمًا وحديثًا
(المأخذ الأول: تقديس العقل وتقديمه على النقل ... )
الناس مع العقل طرفان ووسط؛ فطرفٌ جحدوا العقل وعطلوه. وطرفٌ عظموه وقدسوه وجعلوه حاكمًا على النصوص، فإن وافق النص العقل قُبل وإلا فلا، فإن كان نصًا قرآنيًا خالف عقولهم أولوه وصرفوه عن معناه الحق، وإن كان نبويًا صحيحًا ووجدوا له مخرجًا أولوه وإن لم يستطيعوا لذلك سبيلًا طعنوا فيه وردوه، كذا دون اعتبار للقواعد والأصول الشرعية في التعامل مع النصوص. وأولئك هم المعتزلة وأصحاب المدرسة العقلانية الحديثة والعصرانيون ومن نحا نحوهم أو لف لفهم.
والوسط هم الذين استضاءوا بنور القرآن فأعملوا عقولهم فيما أمروا به من النظر والاعتبار والتدبر والتفكر. قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف:3] . وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد: 17] . وقال تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] . وقال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] . وغير ذلك من النصوص التي تحث العقل على النظر والتفكر، وبذلك يبطل زعم أولئك الذين رموا السلف -أهل الحديث- بأنهم جامدون عند النصوص عطلوا عقولهم من النظر في الأدلة ... إلخ. وفات أولئك أن السلف أسعد الناس لأنهم أعطوا العقل حقه وقدروه قدره فلم يغلوا فيه ولم يجفوا عنه. فأعملوا عقولهم في النظر في أمور المعاش، وفي أمور الدين التي تستوجب النظر ولم يتجاوزا بذلك ما حد لهم؛ وهم لما أوقفوها لم يكن بسبب عجزهم عن النظر والإتيان بالمقدمات والنتائج، أو قصورًا في بيانهم. كل ذلك لا يصح؛ بل أيقنوا أن للعقل حدودًا متى ما جاوزها ضل عن صراطه المستقيم وأتى بالطوام والعجائب، فصانوا عقولهم لتصح عقائدهم. فلم يتكلموا في ذات الإله إلا بما ورد إليهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولم يعارضوا بعقولهم كتاب ربهم وسنة نبيهم، فإن سلف الأمة كان إذا أعياهم فهم نصٍ لم يحمّلوه ما لا يحتمل، ولم يؤولونه أو يردونه بزعم مخالفته للعقل، بل كانوا يتهمون عقولهم. وما كان مجهولًا عند رجل يكون معلومًا عند آخر، فالنقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح.
-نماذج:
1 -المذهب الحق: