وقد صدر عن الجنيد عبارات موهمة بحاجة إلى تأمل وإمعان نظر فيها من حيث نسبتها إليه ، وصحتها في نفسها ومدى مطابقتها للمعتقد الصحيح ؛ وذلك مثل قوله: فقدت يومًا قلبي ، فقلت يا إلهي ردَّ علي قلبي ، فسمعت مناديًا يقول: يا جنيد نحن سلبناك القلب لكي تكون معنا .. أتريد أن تبقى مع غيرنا [1]
فهذه العبارة توهم بأن الجنيد رحمه الله ربما يقول بالاتحاد كما ذكر ذلك أستاذنا د / الجليند .
ومثلها قوله:-
? التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويميتك به"."
?"من يقول"الله"دون أن يراه فهذا كذب ."
?"من زعم معرفة الوجود جهل عند حصول العلم ، قالوا أضف أنت ."
فقال: إنه هو العارف والمعروف .
?"ما دمت تقول"الله"وتقول"عبد"فهذا شرك لأن العارف والمعروف واحد ، كما قالوا: ليس في الحقيقة إلاَّ هو . ها هنا الله فأين العبد أي أن الكل هو الله [2] ."
أو إقراره للسري عندما قال الأخير:- لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر يا أنا [3] .
فهذه عبارات إن كانت صدرت منه وثبت عنه فهي مخيفة فعلًا تنافي كل ما تقدم من سلامة المعتقد وصفائه ، والظن به غير ذلك رحمه الله ، والعذر له وارد ، ويغمر ذلك في بحر حسناته ، وإن اعتذرنا له فلنا سلف في اعتذار ابن تيمية رحمه الله للشبلي ، و اعتذار ابن القيم للهروي رحمه الله في المدارج وغيرهم كثير ، وبعض عباراتهم أشد وأنكى .
ومثلها أيضًا إقراره لخاله السَّري على إحدى شطحاته عندما دفع إليه السري رقعة وقال له:- هذه خير من سبعمائة قصة أو حديث يعلو ، فإذا فيها:-
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني فمالي أرى الأعضاء منك كواسيًا
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ، وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى سوى مقلة تبكي أبها وتناجيا [4]
(1) - من قضايا التصوف 61 .
(2) - من قضايا التصوف 62 .
(3) - الرسالة القشيرية 427 .
(4) - الرسالة القشيرية 426 .