و بذلك يتبين لنا جليا أن ما رواه ابن عبد البر عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه - من أنه التحق بجيش علي فبل معركة النهروان ، و أنه كان يردد حديث الناكثين و القاسطين ، هو خبر لم يثبت ، و أن الأصح أن أبا أيوب اعتزل الجمل و صفين ، و لم يلتحق بعلي إلا في معركة النهروان سنة 38ه .
و ختاما لما ذكرناه في هذا الفصل ، يتبين لنا منه أن الغالبية الساحقة من الصحابة قد اعتزلوا الفتنة ، و إن قلة قليلة منهم قد خاضت فيها .و أن هؤلاء المعتزلين لها كانوا على صواب في موقفهم منها ، متمسكين بما كان معهم من الأحاديث النبوية عن ذم الفتنة و اعتزالها . و تبين أيضا أن ما قيل عن ندم ابن عمر عن اعتزاله للفتنة ، و أن سعدا اعترف بخطئه في موقفه منها ، هو أمر لم يثبت ، و أن الصحيح أنهما بقيا على موقفهما الأول من الفتنة .
الخاتمة
توصلت من دراسة قضايا هذا البحث إلى جملة نتائج ، منها: إن الصحابة المعتزلين للقتال في الفتنة يمثلون الغالبية الساحقة من الصحابة الكرام ، و كانت معهم أحاديث نبوية صحيحة صريحة في ذم الفتنة و الحث على اعتزالها ، و تصويب موقف من ابتعد عنها . و قد كان على رأس هؤلاء صحابة كبار من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار ، ساهموا بفاعلية في التخفيف من حدة الفتنة ، و دعوة الناس إلى اعتزالها . و أما الصحابة الخائضون فيها - أي الفتنة - فكان عددهم قليلا قد يصل إلى أربعين صحابيا ، أو يقل عن ذلك و أو يزيد بقليل .
و تبين أيضا أن الصحابة المعتزلين للفتنة كان موقفهم منها صحيحا صوابا ، أيدته الأحاديث النبوية الصحيحة الكثيرة التي سبق ذكرها ، و دعمته الآثار السلبية المدمرة التي انجرت عن القتال في الفتنة ، فزاد الشر و قل الخير ، و تفرّق الناس شيعا و أحزابا ، و أصبح بأسهم بينهم شديد ، و تكبدوا في أنفسهم خسائر بشرية كبيرة .
تم بحمد الله تعالى
فهرس المحتويات
(-) المقدمة:
الفصل الأول