فبعد نزول الآيات السابقة التي تبين بأن الروم سوف ينتصرون لا محالة على الفرس خلال الفترة القادمة التي لا تتجاوز بضع سنين وكلمة بضع تدل في اللغة العربية على عدد مابين الثلاثة وما دون العشرة , تحدى أبو بكر الصديق رضي الله عنه مشركي مكة و أكّد لهم بأنّ الروم سوف تنتصر على الفرس في الفترة القادمة التي هي بضع سنين وجعل بينه وبينهم عهدًا مدته خمس سنوات فإن انتصر الفرس فإن لمشركين مكة كذا وكذا وإن انتصر الروم فإنّ لأبي بكر رضي الله عنه كذا وكذا , فانتهت الخمس سنين ولم ينتصر الروم على الفرس فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى إن هوى إلا وحي يوحى ليستشيره ماذا يفعل مع كفار مكة وقد انتهت الخمس سنوات ولم ينتصر الروم !... فقال له عليه الصلاة والسلام ألا أجّلته إلى دون أراه قال العشر لأنّ البضع مادون العشر, و فعلًا قد انتصرت الروم على أهل فارس بعد سبع أو تسع سنوات من نزول الآية الكريمة السابقة وفرح المسلمون كثيرًا, وآمن الكثير من كفار قريش علمًا أنّه في وقت نزول الآية الكريمة كانت الفرس هي المنتصرة وكان جيش الفرس جيشًا كبيرًا ضخمًا ولا أحد كان يشك أدنى شك أنّ النّصر قد يكون يومًا في الأجل القريب لصالح الروم.
و نستفيد من القصة السابقة عدّة نقاط لا بدّ من ذكرها و توضيحها:
أ إيمان الصحابة رضي الله عنهم بكل ما أنزل الله تعالى على نبيه إيمانًا مطلقًا سواء أكان ذلك في شؤون الحياة الدنيوية أو في المغيبات دون الفصل بينهما فلا يقولون نأخذ من القرآن والسنة الدين والعقيدة والتشريع, أمّا الأمور الغيبية التي جاء بها عليه الصلاة والسلام بوحي من الله فلا نؤمن بها ونحكم عقولنا لا! وإنما يقولون ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.