ولعل بناء مساكن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ملاصقة للمسجد من الجهة الشرقية، ثم من الجهة الشمالية دليل على أهمية ارتباط دار الحكم بالمسجد، والتي أصبحت قاعدة في تخطيط المدن الإسلامية كما تم في حواضر الكوفة والفسطاط وغيرها من مدن الإسلام. وسمح الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في خطط المدينة القديمة والجديدة، مما أرسى قواعد المجاورة السكنية للأعمال المحلية وربطها بالقلب حيث يمارس في هذه المساجد أداء الصلوات الخمس، ويأتي المسلمون إلى المسجد النبوي لأداء صلاة الجمعة، مما أرسى معايير تصنيف المساجد إلى مساجد عادية ومساجد جمعة.
ويتصف جميع البناء للمسجد والدور حوله بالبساطة، وسهولة أداء الوظيفة، وتوافر الخصوصية، والتوافق مع ظروف البيئة. وقد نقل محمد عزب ما أوجزه ابن قيم الجوزية من استنباط الهدي النبوي في شروط المسكن:"فلم يكن من هديه وهدي أصحابه ومن تبعه الاعتناء بالمساكن وتشييدها وتعليتها وزخرفتها وتوسيعها، بل كانت من أحسن منازل المسافر تقي الحر والبرد، وتستر من العيون، وتمنع من ولوج الدواب، ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها، ولا تعشش فيها الهوام لسعتها، ولا تعتور عليها الأهوية والرياح المؤذية لارتفاعها، وليسن تحت الأرض فتؤذي ساكنها، ولا في غاية الارتفاع عليها، بل وسط، وتلك أعدل المساكن وأقلها حرا وبردا، ولا تضيق على ساكنها فينحصر، ولا تفضل عنه بغير منفعة ولا فائدة فتأوي الهوام في خلوها، ولم يكن فيها كنف تؤذي ساكنها برائحتها، بل رائحتها من أطيب الروائح، لأنه كان يحب الطيب، ولم يكن في الدار كنيف تظهر رائحته، ولا ريب أن هذه من أعدل المساكن وأنفعها وأوفقها للبدن وحفظ صحته [1] ."
(1) ابن قيم الجوزية، أبي عبد الله، زاد المعاد، ج4، ص 328،329؛ عزب، خالد محمد، المدينة المنورة: العمارة النبوية، ص 58-59).