(( يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن , ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن , ثم يصلي ثلاثًا ) ).
وهذا الحديث يحتمل الجواز وليس صريحًا فيه.
ويحتمل أنه يصلي أربعًا لا يستريح فيهن , ثم يستريح ثم يصلي أربعًا ثم يستريح ويسلم من كل ركعتين ليوافق هذا قوله صلى الله عليه وسلم.
وحديث ابن عمر (( صلاة الليل مثنى مثنى ) ), لا يدل على وجوب التسليم من كل ركعتين , فيحمل على الاستحباب , وأنه ينبغي أن يكون هو الهدي الغالب، ولكن من نسي فقام إلى الثالثة فله أن يجعلهن أربعًا ولا يلزمه الرجوع على رأي أبي حنيفة وأحمد في رواية، وهذا فيه توسعة على الناس , سيما أن حديث عائشة (( يصلي أربعًا .. ) )محتمل له.
ثامنًا: فيم يقرأ في الوتر؟
يستحب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى بالأعلى وفي الثانية (( قل يا أيها الكافرون ) )وفي الثالثة (( قل هو الله أحد ) )لما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بن كعب قال كان رسول الله يوتر (( بسبح اسم ربك الأعلى ) )و (( قل يا ايها الكافرون ) )و (( قل هو الله أحد ) ).
وذهب الإمام مالك والشافعي إلى مشروعية قراءة المعوذتين بعد الإخلاص , لما جاء عند أبي داود والترمذي من طريق خُصيف عن ابن جُريج عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى ب (( سبح اسم ربك الأعلى ) )وفي الثانية (( قل يا أيها الكافرون ) )و في الثالثة (( قل هو الله أحد ) )و المعوذتين. لكنه ضعيف لحال خصيف , ولم يثبت في قراءة المعوذتين في الوتر بعد الإخلاص شيء، وقد أنكر ثبوت ذلك الإمام أحمد وابن معين وغيرهما.
تاسعًا: هل ثبت في قنوت الوتر شيء؟
قال الإمام أحمد: (( لا يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ) )
وقال ابن خزيمة: (( ولست أحفظ خبرًا ثابتًا عن النبي في القنوت في الوتر ) )
وقال ابن القيم: (( ولم يحفظ عنه أنه قنت في الوتر , ونقل عن الخلال أنه قال لأبي عبد الله أحمد بن حنبل في القنوت , في الوتر فقال ليس يروى فيه عن النبي شيء , ولكن كان عمر يقنت من السنة إلى السنة , ثم قال - ابن القيم - والقنوت في الوتر محفوظٌ عن عمر وابن مسعود .. ) ).
وسُئل عطاء عن القنوت فقال: (( كان أصحاب رسول الله يفعلونه ) ).
عاشرًا: هل تشرع المداومة على القنوت؟
صح عن ابن عمر كما عند ابن أبي شيبة من طريق أيوب عن نافع أن ابن عمر كان لا يقنت إلا في النصف من رمضان.
وقال الزهري: (( لا قنوت في السنة كلها إلا في النصف الآخر من رمضان ) )
وقال أبو داود: (( قلت لأحمد القنوت في الوتر في السنة كلها؟ قال: إن شئت، قلت: فما تختار؟ قال: أما أنا فلا أقنت إلا في النصف الباقي إلا أن أصلي خلف الإمام فيقنت فأقنت معه ) ).
و قيل: يُقنت في الوتر في جميع رمضان دون بقية السنة وقيل يُقنت في وتر السنة كلها.
والراجح ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى حيث قال: (( من شاء فعله ومن شاء تركه فإن قنت في جمع الشهر فقد أحسن , وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن وإن لم يقنت بحال فقد أحسن اهـ ) ).
وإن قيل بأن المشروع الفعل أحيانا والترك أحيانا فهو جيد.
قال الشيخ ابن باز: (( القنوت سنة في الوتر وإذا تركه في بعض الأحيان فلا بأس ) )
وقال ابن عثيمين: (( إذا قنت أحيانا فهو خير , وإن ترك أحيانًا فهو خير ) )
قال ابن سحمان:
ولا تقنتن في كل وترك يا فتى ... فتجعله كالواجب المتأكد
وكن قانتًا حينا وحينًا وتاركًا ... لذلك تسعد بالدليل وتهتدي
ففعل و ترك سنة وكلاهما ... أتت عن رسول الله إن كنت مقتدي
الحادي عشر: ما مقدار القنوت؟
من الملاحظات على كثير من الأئمة في التراويح تطويل الدعاء في القنوت وهذا خلاف المشروع وينبغي أن يكون القنوت قصيرًا لدقائق معدودة , وقد جاء عن الإمام أحمد أنه قدَّر ذلك بمقدار قراءة سور ة الانفطار.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
(( الذي ينبغي أن يقتصر على الكلمات الواردة .. ولا شك أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم , ولا سيما الضعفاء منهم، ومن الناس من يكون وراءه أعمال ولا يحب أن ينصرف قبل الإمام ويشق عليه أن يبقى مع الإمام , فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بين بين ) ).
وقال الشيخ ابن جبرين حفظه الله:
(( لا تنبغي الإطالة الزائدة التي توقع المأمومين في الملل والضجر ) ).
الثاني عشر: هل القنوت في الوتر قبل الركوع أو بعده؟
قيل قبل الركوع , وقيل بعده , وسبب الاختلاف أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء فقاسوه على قنوت النوازل , والصواب جواز الأمرين , ولكن الإمام أحمد قال: (( بعد الركوع أحب ) ).
وقال شيخ الإسلام: كما في الفتاوى 23\ 100
(( أما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع , ومنهم من لا يراه إلا بعده , وأما فقهاء الحديث كأحمد وغيره فيجيزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما وإن اختاروا القنوت بعده لأنه أكثر وأقيس فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد سمع الله لمن حمده ) )