د/ السيد العربى بن كمال
بسم الله الرحمن الرحيم
مشاهدتي في بريطانيا
تأليف
د. عبد الله الخاطر
رحمه الله تعالى
مقدمة:
الحمد لله الذي فضل الإنسان بالعقل وجعله ساميًا بروحه والصلاة والسلام على رسوله وخير خلقه محمد بن عبدا لله وآله وصحبه .. أما بعد.
فإن التجربة الإنسانية هي واحدة من مصادر المعرفة والعلم البشري، إذا كانت منضبطة بمعايير صحيحة، تنضبط فيها المقدمات فتسلم النتائج.
والتجربة البشرية لا تقوم بالحالات الفردية ولا بالإشاعات والروايات وإن تكاثرت، وإنما تقوم بالظواهر المتتابعة وإن تخلفت في أحيان نادرة، ولذا وجه القرآن الكريم إلى الاعتبار بما وقع للأمم والشعوب الغابرة، وأمر بالتفكر في أحوالهم وأنماط حياتهم ومصائرهم في أكثر من موضع، كقوله تعالى في سورة الحج الآيتان 45،46: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45) أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور (46) } . وإذا كنا نتحدث عن حياة أقوام آخرين في جوانب معينة فيجب ألا نغفل جوانب إيجابية أخرى، ولكن المقياس يكون بأولوية تلك الجوانب وأهميتها في حياة البشر، فما كان يتعلق وما كان يتعلق بالشهوات والمتاع كان تاليًا لغيره وتابعًا له. والحديث عن الغرب وحياتهم يطول، ولقد ظهرت صرخات من الغربيين في أكثر من مكان وفي أكثر من زمان، تنذر بالخطر وتهدد بالسقوط لهذه الحضارة المادية التي فقدت القدرة على التعامل مع روح وكرامة الإنسان وعقله المدرك لغايته ورسالته ودوره في الحياة، وليس العقل المبدع في فهم الآيات (والميكانيكيات الفيزيائية والكيميائية والإلكترونية وغيرها) (والاكتشافات) فقط. ونحن في نفس الوقت ندرك تمامًا أن هذه التجارب ودراستها ومحاولة الاستفادة منها والاتعاظ بها إنما هو للنهوض بهذه الأمة التي تخلفت عن رسالتها، وتعيش اليوم بعيدة عن دينها نصرة وسلوكا في الحياة، لذا فنحن نزن تجارب الغرب بالقرآن والسنة وحياة القرون الخيرة الأولى، وليس بواقع المجتمعات المسلمة اليوم، وذلك لأنها تبعد عن أن تكون نموذجا إسلاميًا يخلو من التناقضات والانحراف، ولا يستبعد أن توجد فيها حالات كتلك الحالات التي توجد في الغرب.
وما ذاك إلا لأنها لا تمثل الإسلام التمثيل الصحيح في الأقوال والأفعال والأحكام والعلائق، وإنما فيها من الخلل والانحراف بقدر بعدها عن الكتاب والسنة.
لهذا نقدم هذا الكتاب للدكتور عبد الله الخاطر _ رحمه الله _ والذي كان مقالات متفرقة كتبها في مجلة البيان حول"مشاهدات في بريطانيا"وهي كما قلت نماذج لها دلالتها ومؤشرات لها واقعها تؤخذ في حدودها، لعلنا جميعًا _ وخصوصًا أولئك المعجبين بالغرب منا من المستغربين والعلمانيين _ أن نستدرك حالنا وواقع أمتنا بانتشالها مما هي فيه من تشرذم وضياع