والحكمة في وجوب الاستئذان والغرض من تشريعه: أن المرء قد يكون على حالة لا يحب أن يراه أحد عليها من عمل خاص أو محادثة سرية، أو معاشرة زوجية، أو معالجة طبية؛ فيدخل عليه ولد، أو صديق أو خادم وهو عارٍ أو مستغرق في حديثه أو مستمر في تفكيره فيخجله ويزعجه ويصرف عنه وجهه ساخطًا مستحييًا ويتمنى له ذهاب سمعه وبصره الذي كشف به عورته واطلع بها على سوأته.
ولم يشرع الاستئذان لئلا يطلع الداخل على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنَّه تصرف في ملك غيرك، فلابد من أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب [1] .
ومن مفاسد الدخول على البيوت بلا استئذان أن ذلك يوجب الريبة من الداخل ويتهم بالشر سرقة أو غيرها، لأن الدخول خفية يدل على الشر [2] .
والاستئذان معناه الاستعلام والاستكشاف للحال؛ هل يؤذن لك أولا [3] ؟
والمعتمد وجوبه؛ فيثاب على فعله ويعاقب على تركه إلا أن يشاء الله كما هو شأن الواجبات [4] .
والاستئذان عند الدخول ثلاث مرات بأن يقول المستأذن في كل واحدة منها:
السلام عليكم، أأدخل؟ فيجمع بين السلام والاستئذان كما صرح به في القرآن { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا } .
والتثليث في الاستئذان سنة إلا أن يجاب قبلها, فإن لم يؤذن له عند الثالثة, فليرجع ولا يزيد على الثلاث، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه لأنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتًا لا مطعن فيه لحديث: «الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له الثالثة رجع» .
(1) انتهى كلام الزمخشري من تفسير القاسمي، (5/297) .
(2) تفسير السعدي، (5/406) .
(3) أضواء البيان، لعلامة الشنقيطي، الجزء السادس تفسير سورة النور.
(4) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني بتصرف، (1/237) .