الصفحة 3 من 16

وحسنٌ منك -أي بُني- أن لا يكون منك إيثار ما أنت فيه -على ما هو فيه- على الماضي الذي انقضى وذهب بما هو فيه، وعلى ما هو فيه، فلعلَّ حاضرك يبيِّت لك بمستقبله سوءًا وأنت لا تدري، ولعلَّ ماضيك انقطع بخير وأنت لا تعلمه، ولكن؛ ارضَ بالحاضر، واحذر أن تعصي الله فيه، بجلٍّ ظاهر، أو بدقٍّ خفيٍّ، وأرضَ بالماضي، واندمْ على ما كان من معصيةٍ فيه، فالرضا يبعث في قلبك الخير، ويحضُّك على تولِّيه والحرص على معناه كلِّه، أينما كان وحيث وكيف كان، فلا تضيِّعْه بأن لا ترضى، فقدر الله يحكم كل خلقٍ وأمرٍ.

وحين أكتب إليك أي بُني، فإنما أُفضي إليك من ذاتي إلى ذاتي، فليس يصلح إيمان العبد المؤمن، إلا بما أودع الله قلبه -وهو يعلمه- من حبِّ الخير لإخوانه ما يحبُّه لنفسه، فهل لك أي بُني أينما كنت وفي أيَّة بقعةٍ من بقاع الأرض، أن تصغي لحديثي إليك، فكلُّ كلمةٍ فيه، وكلُّ جملة من جمله، وكلُّ معنى، كلُّها تظهر تلك الكلمة، أو تنبتُه هذه الجملة، وما هيَ كلُّها مجتمعةً ومنفردةً، إلا من حصاد العمر، وتجربةِ الأيام، وجني النظر المتأمِّل الواقف عند أمر الله ونهيه، فخذ بأحسنه لأحسنك، ودع ما يثقل عليك إن كان غير موثوق إلى دين الحق، يكن لك إن شاء الله ردءًا في غدوِّك وأصيلك، وصبحك وعَشِيِّك، وحين تظهر وتروح، فلا تعجل على نفسك بتركه والزهد فيه، واحمد المولى سبحانه على ضراءَ مسّتك، كما تحمده على سرَّاءَ أنعم الله بها عليك، واصبر على ما أصابك، وزيِّن قلبك بالتقوى، وأقبل على ربك بالطاعة والصدق، وإياك أن يخالطك الرضا بما صنعت، وكن على وجلٍ من تزيين النفس والشيطان أنك قد أحسنت، واجعل قبلة قلبك السماءَ، وأدم دعاءَه بقولك:"اللهم رضِّني بقضائك، وقنِّعني بعطائك، وأخلف لي في كلِّ غائبةٍ خيرًا".

أي بُني:

لا تشرب الماء إلا علاًّ.

ولا ترد طعامًا أُكل منه.

ولا تلبس قميصًا لبسه غيرك.

ولا تساكن فخورًا، ولا خوَّانًا ولا أثيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت