بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى أله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
فيقول الله في كتابه الكريم: {فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ، ويقول سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ،ويقول تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، ويقول عز وجل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم قال: (( والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا؛ ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم ) ). رواه مسلم
فالجنة لا يدخلها إلا المؤمنون، ولا يتحقق إيمانهم إلا بالمحبة فيما بينهم، ومن أعظم أسباب المحبة إفشاء السلام بينهم؛ ففي هذا الحديث العظيم بيان أن أول خطوة في طريق الجنة إفشاء السلام بين المؤمنين حتى تتحقق المحبة بينهم فيكونوا كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا؛ وتتضافر جهودهم على الخير والدعوة إلى الله؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك يتحقق الإيمان الذي هو شرط لدخول جنة الرحمان.
وإن المؤمن الناظر إلى حال المسلمين في هذا الزمان يَكادُ قلبه يتقطع حسرة إلى ما وصلوا إليه من الذل والهوان، والتخاذل واتباع الشيطان، والجهل وضعف الإيمان؛ إلا ما رحم ربي، ويزداد الحزن والأسى عندما تجد الخلاف والتنازع قائم بين المسلمين على مستوى الدول والحكومات؛ وعلى مستوى الأفراد والمجتمعات؛ بل وعلى مستوى الدعاة والجامعات.
هذا، والكفار على اختلاف أنواعهم؛ ونعدد نَحَلِهم؛ وتباين مِلَلِهم؛ يجتمعون على حرب الإسلام والمسلمين، ويتداعون على هذه الأمة كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30) } .
هذا؛ وإن من أعظم أسباب ضعف المسلمين في هذا الزمان تنازعهم فيما بينهم؛ واختلافهم وتفرقهم {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، أي نصركم وقوتكم ودولتكم.
وإن العلماء والدعاة وطلاب العلم هم قدوة الناس؛ وبهم يَصلُحُ شان الناس، فإذا لم يصلحوا فيما بينهم من الخلاف؛ فيكون يصلحون غيرهم؟.
يا معشر القُرّاء يا ملح البلد ... ما يُصلِحُ المِلحُ إذا المِلحُ فَسَد
فإذا أراد العلماء والدعاة وطلاب العلم أن تصلح أمور المسلمين فعليهم أوّلًا أن يصلحوا ما بينهم ويوالي بعضهم بعضًا قال الله الحكيم {وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) } ، صدق الله فهذه الفتنة والفساد الكبير سببه عدم تولي المؤمنين بعضهم بعضًا؛ وتفرقهم