بالإنفاق والصدقات وليس بإنفاق المال على الملذات الزائلة. والشاب المسلم يغتنم فترة شبابه في طاعة الله والمسلم المعافى يغتنم صحته في عمل الخير لأنه لا يعلم متى يأتيه المرض.
في هذا الحديث يعلِّم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين قيمة الوقت التي قلت عند غالبيتهم اليوم، بينما يستغل غيرهم أوقاتهم في حدود ما يؤمنون به من فلسفات وعقائد من وضع بني آدم. أليس الأحرى بالمسلمين أن يغتنموا كل ساعة بل كل لحظة لما فيه خيرهم في دنياهم وأخراهم؟
قال الله تعالى: " وما خَلَقتُ الجِنّ والإنسَ إلاّ لِيَعبُدونِ " (38) فما خلق الله الناس للّهوِ واللعب ولا للغناء والطرب. وقد أمر الله تعالى رسوله بإستمرار العبادة حتى الموت فقال عزوجل: " واعبُد رَبّكَ حَتّى يَأتيَكَ اليَقين " (39) .ـ
على المرء أن يعلم بأن الواجبات أكثر من الأوقات، لذلك فلا وقت هناك كي يضيعه في الترهات، ولو أحصى المرء ما عليه من واجبات تجاه ربه وتجاه مجتمعه وتجاه أهل بيته وأقربائه بل وتجاه نفسه في دنياه وآخرته، لما فرط في لحظة واحدة في عمل غير مجد من لهو ولعب. وقد يظن البعض أن التمسك بذلك يضفي على الحياة جفافا وصرامة وتعقيدا. وهذا غير صحيح، فليس المقصود بإستغلال الوقت عدم تخصيص وقت للراحة والمزاح الذي لا يدخله الكذب ولا الترويح عن النفوس، فكل ذلك من العبادة إن أخلصت النية، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمزح ولا يقول إلاّ الحق (40) وقد مر بنا تحت الحديث (1) قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: روحوا القلوب فإنها إذا كرهت عميت، وما ساعة الراحة إلاّ ساعة عون للنفس على العبادة فهي ضرورية كضرورة النوم لجسم الإنسان.
ـ 26 ـ دوام العمل الصالح
عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
" أحَبّ الأعمالِ إلى اللّه أدومُها وإن قَلّ "
(متفق عليه)
إعتاد بعض الناس على كثرة العبادة في رمضان من صيام نهاره وكثرة صلوات النوافل كالتراويح وغيرها، فإذا إنقضى رمضان ترك العبادة وربما حتى الفريضة، ويعلل ذلك بكثرة الأحاديث التي تمتدح العبادات في رمضان وأن فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. وهذا حق، لكن دوام العمل المفروض أفضل من ذلك، فقد فرض الله تعالى الصلاة وجعلها بأوقات محددة، " إن الصَلاةَ كانَت على المُؤمنينَ كِتابا موقوتا " (41) . وفي دوام ذكر الله تعالى خير كثير، وبالخلق الحسن وهو من الأعمال الدائمة يبلغ المرء درجة العبد الصائم القائم. وفي حديث الحال المرتحل الذي يقرأ القرآن على الدوام (42) ـ إشارة إلى فضل العمل المستمر على المتقطع حتى وإن كان العمل المتقطع أكثر من العمل المستمر، فالله سبحانه وتعالى يبارك بالعمل المستمر ويرفع من مكان صاحبه لأنه تعالى يحب دوام العمل الصالح. فالمؤمن شخص سوي دائم العمل غير متذبذب بين الإفراط والتفريط ويتبع في حياته منهجا واضحا على وتيرة واحدة متسقة يكمل بعضها بعضا. فالعمل القليل بالإستمرار يكمل بعضه بعضا فيتكون العمل الكثير، وعند ذلك يبارك الله فيه فتظهر فوائده. أما العمل المتقطع فربما تضمحل آثاره بعد فترة فإذا ما عاد المرء اليه إحتاج وقتا إضافيا لكي يعود إلى المستوى الذي ترك العمل عنده. فقراءة جزء من القرآن كل يوم أفضل من القراءة سبعة أجزاء في يوم واحد وتركها ستة أيام، وقس على ذلك.