والإستقصاء ممن إستكمل متطلبات الإجتهاد من علم وتقوى، فباب الإجتهاد واسع. والفهم من الكتاب والسنة متفاوت بين العلماء " وفوقَ كُلّ ذي عِلم عَليم " (6) فالفهم الإجتهادي يحتاج إلى تقوى وصدق مع الله تعالى. ولا يظنن ظان أن هذا الحديث مقتصر على القضاء بين الناس أو المسائل العويصة في الفقه، فكل مسلم يمارس في حياته اليومية أمورا تفاصيلها غير وارد في الكتاب أو السنة وهو يقرر فيها حسب رأيه، وهو نوع من الإجتهاد وهو إجتهاد شرعي إن كان مستندا إلى الكتاب والسنة وهو مثاب عليه إن كانت نيته صادقة. فحينما تمر بالمسلم واقعة يحتاج فيها إلى قرار سواء كان ذلك في أمر من أمور الدين أو الدنيا فإنه يبحث سريعا بنفسه أو بسؤال العلماء الأتقياء هل في ذلك الأمر حكم في القرآن فإن لم يجد ففي السنة، فإن لم يجد إجتهد رأيه بما آتاه الله تعالى من عقل وإستنباط بأفضل ما يستطيع قياسا على ما يعلم مما ورد في الكتاب والسنة ثم يتكل بعد ذلك على الله تعالى وينفذ ذلك.
لقد فصّل الفقهاء المجتهدون في أصول الفقه ووضعوا لهذه الأمة تراثا فقهيا تباهي به الأمم بحق. ولهذه ألأصول الثلاثة (الكتاب والسنة والإجتهاد) ترجع الأصول الأخرى، رغم كونها تعتبر أحيانا أصولا مستقلة. فالقياس ما هو إلا نوع من الإجتهاد وعمل أهل المدينة (عند الإمام مالك) ما هو إلا سُنة (لقرب عهده من زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) ـ، والإجماع هو أعلى درجات الإجتهاد لأنه إجتهاد مجتهدي الأمة مجتمعين. وهكذا تجد أصول هذا الدين راسخة وواضحة في الوقت عينه، وما على المسلمين سوى الأخذ من هذا المعين الصافي، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: " تركتُكُم على المِحَجّة البيضاء ليلُها كنهارِها، لا يضل عنا إلاّ زائغ " (7) .ـ
ـ 17 ـ إلتزام الجماعة
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني، فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: " نَعَم "، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير، قال: " نَعَم وفيه دَخَن "، قلتُ: وما دخنه؟ قال: " قوم يَهدونَ بِغيرِ هَديي، تعرِفُ وَتُنكِرُ "، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نَعَم، دُعاة على أبواب جهنم، مَن أجابَهُم إليها قذفوهُ فيها "، قل يا رسول الله صِفهُم لنا، قال: " هُم مِن جِلدَتِنا ويَتَكَلَّمون بألسِنَتِنا "، قلت: فما تأمُرني إن أدركني ذلك، قال: " تلزم جماعة المُسلِمين وإمامَهم "، قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام، قال: " فاعتزل تلك الفِرَق كُلّها، ولو أن تَعَضّ بأصلِ شَجَرة حتى يُدرِكَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك "
(رواه الثلاثة)
قال الله تعالى: " وتَعاوَنوا عَلى البِرِّ والتَقوى ولا تعاوَنوا على الإثمِ والعُدوانِ " (8) ولا بد للمسلم أن يتعاون مع غيره من المسلمين في أعمال الخير. أما المنفرد عن جماعة المسلمين حتى ولو كان على علم وتقوى، فلا يستطيع أن يقوم لا بأمور دينه ولا بأمور دنياه كما يجب. فمثلا الصلاة جماعة أفضل بمرات كثيرة من صلاة المنفرد (9) ، ومن الصلاة ما لا يؤدى إلاّ جماعة، كصلاة الجمعة. وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: " يَدُ اللّه على الجَماعةِ وَإنّما تأكُلُ الذئبُ من الغَنَمِ القاصية " (10) ، فمن إبتعد عن جماعة المسلمين كان فريسة للأفكار الشاذة أو الغلوّ في الدين أو الضلال.
هذا الحديث الشريف لا يكتفي بوصف الداء الذي تنبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوقوعه بين المسلمين ووقع فعلا بعد وفاته بأزمنة طويلة، بل يصف الدواء وما على المؤمن أن يفعله في تلك الظروف. فإعتزال الفرق المخالفة لما أنزل الله فريضة حتى ولو إتبع تلك الفرق أكثر الناس، فليس الحقّ دائما مع الكثرة، قال الله تعالى: " وما أكثر الناس ولو حَرَصتَ بِمُؤمنينَ " (11) . والعلاج في حالة عدم وجود جماعة للمسلمين، وهي حالة من الحالات الشاذة، هو ليس متابعة الأكثرية الخاطئة، بل