الصفحة 15 من 100

كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو: " أللّهُمّ إنّي أسألُكَ الرضا بعد القضاء " (41) ، وواضح أن الواجب على العبد أن يرضى بالقضاء الذي أمر الرضاء به، إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا به، كالمعاصي ومختلف أنواع محن المسلمين ... ويعني ذلك أنه عند وقوع المعصية والمحنة يكون الواجب هو العمل على تغييرها لا الخنوع والرضا بها. ويمكن للعبد أن يستشعر رضاء الله عنه إذا كان هو راضيا عن ربه في حالات الضراء والسراء على السواء، قال تعالى " رضِيَ اللّهُ عَنهُم ورَضوا عَنهُ " (42)

إن عدم الرضا بمصائب الدنيا قد يصحبه الجزع. ومن جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه، لأن الجزع نفسه هو مصيبة في الدين، فالمؤمن يرضى عن ربه وعن ما يقضي به ربه، فالخير ما يختاره الله لعبده المؤمن لا ما يحبه هو لنفسه.

ـ 8 ـ الصبر

عن صهيب بن سنان رضي الله عنه (43) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

" عَجَبا لأمر المُؤمن إنّ أمرَهُ كلّهُ لهُ خير، وليسَ ذلك لأحَد إلاّ للمُؤمن، إن أصابتهُ سَرّاءُ شَكَرَ فكان خيرا لهُ وإن أصابَتهُ ضّراء صَبَر فكانَ خيرا لهُ "

(رواه مسلم)

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما أصابتني مصيبة إلاّ رأيت أن لله عليّ فيها ثلاث نعم: أن لم تكن المصيبة في ديني، ولم يكن ما هو أكبر منها فدفع الله بها ما هو أعظم منها، والثالثة ماجعل الله فيها من الكفارة لما كنا نتوقاه من سيئات أعمالنا.

الصبر هو أن يتصرف المرء مع البلاء مثل تصرفه عند العافية. فالله تعالى ما أخذ شيئا أعطاه للعبد إلا ليصبر فيحبه على ذلك، " واللّهُ يحب الصابرين " (44) ، وإذا أحب الله عبدا إختار له ما هو خير له وما تقتضيه مصلحته، فعلى العبد أن يرضى بذلك، وكذلك إذا ما أعطى الله العبد فإن ذلك العطاء هو لأجل الشكر فيجازيه الله تعالى على ذلك الشكر حيث وعد الله: " وسَنَجزي الشاكِرين " (45) . عن الخباب بن الأرت رضي الله عنه (46) قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسِّد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: " قد كانَ من قبلَكُم يُؤخذُ الرجل فيُحفَرَ لَهُ في ألأرضِ فيُجعَلُ فيها، ثُمّ يؤتى بالمنشارِ فيوضَعَ على رأسِهِ فيُجعلُ نصفين ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديد ما دون لحمِهِ وعَظمِهِ، ما يصّدُهُ ذلك عن دينهِ، واللّه ليُتِمّنّ اللّهُ هذا الأمر حتّى يسيرَ الراكِبُ من صَنعاءَ إلى حَضرَموت لا يخافُ إلاّ اللّه والذئبَ على غَنَمِه، ولكنّكم تَستَعجلونَ " (47) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما يُصيبُ المُسلم من وَصَب (الوصب هو المرض) ولا هَمّ ولا حَزَن ولا أذى ولا غَمّ حتى الشوكَةُ يُشاكَها إلاّ كَفّرَ اللّهُ بها من خَطاياهُ " (48)

والصبر التام هو الثبات مع الله وتلقي بلاءَهُ بالرحب والدعة. قال تعالى: " ياأيُّها الّذينَ آمنوا إصبِروا وصابروا ورابطوا واتّقوا اللّهَ لعلَّكُم تفلحونَ " (49) فاصبروا بنفوسكم على طاعة الله وصابروا بقلوبكم على البلوى ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله. فالمؤمن يصبر ويوصي غيره من المؤمنين بالصبر لئلا يكون من الخاسرين: " والعَصرِ إنّ الإنسانَ لَفي خُسر إلاّ الّذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصالِحاتِ وتواصوا بالحَقّ وتواصوا بالصَبرِ " (50) ، وكان دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حالة السراء: " الحَمدُ لِلّهِ الّذي بِنِعمَتِه تَتُمّ الصالِحاتُ " وفي حالة الضراء: " الحَمدُ لِلّهِ على كُلّ حال " (51)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت