من خلال ما سبق من تعريف القضاء والقدر في اللغة وبيان إطلاقاتهما في القرآن يتبين مدى العلاقةِ بينهما، والعلاقةِ بين المدلول اللغوي والشرعي _ كما سيأتي _.
فكلٌّ مِن القضاء والقدر يأتي بمعنى الآخر؛ فمعاني القضاء تؤول إلى إحكام الشيء، وإتقانه، ونحو ذلك من معاني القضاء.
ومعاني القدر تدور حول ذلك، وتعود إلى التقدير، والحكم، والخلق، والحتم، ونحو ذلك.
ولهذا سيكون التعريف الشرعي شاملًا للقضاء والقدر، ثم بعد ذلك يكون الحديث عن الفروق بينهما.
المطلب الرابع: القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي:
هناك بعض ممن تطرق لتعريف القضاء والقدر يعرفه ببعض أفراده أو بعمومه دون تفصيل، أو إشارة إلى مراتبه وأركانه.
فهذا الجرجاني (1) × يعرف القدر فيقول:
=القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء.
والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال+ (2)
وقال × في تعريف القضاء: =القضاء لغة: الحكم.
وفي الاصطلاح: عبارة عن الحكم الكلي الإلهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد (3) + (4) .
(1) هو علي بن محمد بن علي الجرجاني المعروف بالشريف (740هـ _816هـ) ، فيلسوف من كبار العلماء بالعربية، ولد في تاكو قرب استراباد، ودرس في شيراز، ولما دخلها تيمور سنة 789 خرج الجرجاني إلى سمرقند ثم عاد إلى شيراز بعد موت تيمور، فأقام إلى أن توفي.
له نحو خمسين مصنفًا، منها التعريفات، وشرح مواقف الإيجي، وتحقيق الكليات، وغيرها.
انظر الأعلام للزركلي 5/159_160.
(2) التعريفات للجرجاني ص174.
(3) الأزل: هو الشيء الذي لا بداية له، والأبد: هو الشيء الذي لا نهاية له.
أو يقال: الأزل: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية من جانب الماضي، والأبد: هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية من جانب المستقبل. انظر التعريفات للجرجاني ص7.
(4) التعريفات للجرجاني ص177.