قبل الدخول في تفاصيل الحديث عن القضاء _ يحسن الوقوف عند مسألة أُثيرت قديمًا، وتثار حديثًا، مفادها: أنه لا ينبغي الحديث في مسائل القدر مطلقًا، بحجة أن ذلك يبعث على الشك والحيرة، وأن هذا الباب زلّت به أقدام، وضلَّت به أفهام.
والكلام هكذا _ على إطلاقه _ غير صحيح، لأمور عديدة منها:
1_ أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان: ولا يتم إيمان العبد إلا به، فكيف يُعرف إذا لم يُتحدث عنه، ويُبَيَّن للناس أمره؟!
2_ أن القرآن الكريم مليءٌ بذكر القدر وتفاصيله: والله _عز وجل_ أمرنا بتدبر القرآن وعَقْلِه، كما في قوله _ تعالى _: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ] سورة ص: 29، وقوله: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] سورة محمد: 24.
فما الذي يخرج الآيات التي تتحدث في القدر عن هذا العموم؟!
3_ أن الإيمان بالقدر ورد في أعظم حديث في الإسلام: وهو حديث جبريل _عليه السلام_ وكان ذلك في آخر حياة النبي"وقد قال"في آخر الحديث: =فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم+ (1) .
فمعرفته _ إذًا _ من الدين، وهي واجبة ولو على سبيل الإجمال.
4_ أن الصحابة سألوا النبي"عن أدق الأمور في القدر: كما جاء في حديث جابر في صحيح مسلم عندما جاء سراقة بن مالك بن جعشم إلى النبي"فقال: يا رسول الله بيِّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت المقادير؟ أم فيما نستقبل؟
قال: =لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت المقادير+ قال: ففيم العمل؟ فقال: =اعملوا فكل ميسر+.
وفي رواية =كل عامل ميسر لعمله+ (2) .
(1) رواه مسلم (8) .
(2) مسلم (2648) .